
سورية ولبنان بين ضرورات الاستقرار ومخاطر الرسائل الملتبسة:
من وجهة نظري، لا ينبغي لواشنطن أن تطلب بأي شكل من الأشكال أي تدخل عسكري سوري داخل لبنان، فمثل هذا الخيار يحمل في طياته مخاطر كبيرة قد تتجاوز أهدافه المعلنة، والأجدى، من الناحية العملية والأمنية، أن يتركز الجهد على تعزيز ضبط الحدود السورية اللبنانية، باعتبار ذلك الوسيلة الأكثر فاعلية للحد من الشبكات اللوجستية التابعة لـ "حزب الله" من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تزعزع استقرار المنطقة بأسرها...
وفي هذا السياق، يثير القلق الانطباع الذي أُطلق له العنان عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي فُهم منها وجود دور سوري محتمل أو مطلوب في مسألة نزع سلاح "حزب الله" داخل لبنان، لذا فإن مجرد ترسيخ مثل هذا الانطباع قد يدفع أطرافاً مختلفة إلى بناء حساباتها على أسس خاطئة، ويخلق حوافز خطيرة قد تفضي إلى خطوات غير محسوبة تهدد الأمن الإقليمي والمصالح الأميركية على حد سواء...
لذلك كان من المطمئن والمهم ما أعلنه الرئيس أحمد الشرع اليوم بوضوح وصراحة لا تحتمل التأويل، مؤكداً موقف دمشق من هذه المسألة، غير أن الحاجة ما تزال قائمة إلى موقف أميركي علني وواضح يضع حداً للتفسيرات المتباينة، ويضبط التوقعات الإقليمية، ويمنع أي سوء فهم قد يقود إلى تصعيد غير مرغوب فيه، كما أن مثل هذا الموقف من شأنه أن يبدد حالة القلق التي تسود أوساطاً واسعة من السوريين، ولا سيما في ظل الأحاديث المتداولة عن اتصال تم بين الرئيسين، و عن زيارة مرتقبة للرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة...
ومن هنا أؤكد بكلام واضح أن رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أو تخفيف العقوبات الأميركية المفروضة عليها، يجب ألا يكون مشروطاً بأي دور عسكري سوري محتمل في لبنان، صحيح أن التصريحات الأميركية المتعلقة بدعم إعادة الإعمار وتطوير قطاع الطاقة في سورية تحمل مؤشرات إيجابية تستحق الترحيب، إلا أن تجربة الرئيس ترامب السياسية والاقتصادية تجعلني و كثيرون غيري ينظرون إلى الملفات الدولية من زاوية المقايضة والمصالح المتبادلة، بوصفها جزءاً من فلسفة تقوم على حسابات الربح والخسارة...
ولهذا:
فإن اختبار جدية واشنطن في مساعدة سورية ينبغي أن يستند إلى مسار تدريجي وواضح المعالم لرفع العقوبات وإزالة التصنيفات السلبية، مقابل تقدم ملموس وقابل للقياس تحرزه دمشق في ملفات الشمول السياسي، والتعاون الأمني، والإصلاح الاقتصادي، بعيداً عن أي اشتراطات عسكرية خارج حدودها.
ختاماً:
تبدو أهمية دمج سورية في إطار إقليمي أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني أمراً لا يمكن تجاهله، شريطة أن يتم ذلك ضمن رؤية شاملة تستند إلى التعاون والتنسيق مع دول الخليج والشركاء الأوروبيين ولبنان، خصوصاً في القضايا المرتبطة بعودة اللاجئين، وتأمين الوصول الإنساني، ودعم جهود إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب الطويلة. فاستقرار سورية لا يمثل مصلحة سورية فحسب، بل يشكل ركيزة أساسية لاستقرار المشرق بأكمله.