--:--
تنعقد قمة مجموعة السبع في فرنسا وسط توترات دولية بسبب أوكرانيا وإيران وخلافات بين واشنطن وأوروبا، مع محاولات لتقريب المواقف والتوافق على ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة، وسط دعوات لخفض التصعيد وتعزيز ال

العدالة بين استعجال الألم وحكمة الدولة

Salah Kirata • ١٦‏/٦‏/٢٠٢٦

47591.jpg

العدالة بين استعجال الألم وحكمة الدولة

لا يكاد يختلف اثنان على أن العدالة حقٌّ أصيل لكل إنسان، وأن إنصاف المظلومين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ليس ترفًا سياسيًا ولا مطلبًا ثانويًا، بل هو أساس الاستقرار الحقيقي وأحد أهم شروط بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. غير أن الإيمان بالعدالة لا يعني الوقوع في وهم أنها عملية سريعة يمكن إنجازها بقرار واحد أو إجراءٍ واحد، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بسنوات طويلة من الأزمات والصراعات والتراكمات المعقدة.

فالعدالة، في معناها العميق، ليست مجرد إصدار أحكام أو إعلان مواقف، بل هي مسار متكامل يقوم على جمع الحقائق، وتوثيق الوقائع، وضمان الحقوق، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون. وهذا المسار يحتاج إلى وقت وأدوات ومؤسسات قادرة على العمل بحياد وكفاءة، لأن أي اختصار للطريق قد يحول العدالة نفسها إلى ظلم جديد، أو يفتح الباب أمام أخطاء يصعب تداركها لاحقًا.

من الطبيعي أن يشعر المتضررون بنفاد الصبر، وأن يطالبوا بتسريع الإجراءات، فالجراح المفتوحة لا تنتظر طويلًا، والحقوق المؤجلة تظل عبئًا ثقيلًا على أصحابها. لكن من الضروري أيضًا أن ندرك أن معالجة إرثٍ ثقيل من المظالم لا تتم بمنطق الانفعال أو تحت ضغط اللحظة، وإنما عبر رؤية متوازنة تضع تحقيق العدالة فوق الرغبة في تحقيق انتصار سريع.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من الأزمات هو الخلط بين العدالة والانتقام. فالانتقام تحركه المشاعر، أما العدالة فيحكمها القانون. الانتقام يبحث عن خصم، بينما تبحث العدالة عن حقيقة. الانتقام يوسع دائرة الضحايا، أما العدالة فتسعى إلى إغلاق دائرة الألم ومنع تكرارها. ولهذا فإن أي انزلاق نحو منطق الثأر لا يؤدي إلى استعادة الحقوق، بل يهدد بإعادة إنتاج الفوضى نفسها التي دفعت المجتمعات أثمانها الباهظة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الحديث عن تعقيدات الواقع إلى ذريعة للتباطؤ أو التسويف. فالدولة مطالبة بأن تبذل أقصى ما تستطيع لتسريع مسارات الإنصاف، وإظهار الجدية والشفافية في معالجة الملفات العالقة، لأن الثقة تُبنى بالأفعال لا بالوعود، ولأن شعور المواطنين بأن حقوقهم محل اهتمام حقيقي يشكل عنصرًا أساسيًا في حماية السلم الأهلي.

إن التحدي الحقيقي في هذه المرحلة يكمن في تحقيق التوازن الدقيق بين أمرين متلازمين: الإصرار على الحق وعدم التفريط به من جهة، والحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى من جهة أخرى. فالمطالبة بالعدالة حق مشروع، بل واجب أخلاقي ووطني، لكن نجاحها يبقى مرهونًا ببقائها داخل إطارها المؤسسي والقانوني، حيث تكون الحقوق مصانة والإجراءات واضحة والمسؤوليات محددة.

إن الأمم لا تُبنى بالثأر، ولا تتعافى بالغضب، وإنما تنهض حين تمتلك الشجاعة لمواجهة الماضي بعين القانون لا بعين الانتقام، وبإرادة الإصلاح لا برغبة التشفي. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس الصمت عن المظالم، ولا التسليم بالتأخير، بل ممارسة ضغطٍ وطنيٍ واعٍ يدفع نحو إنصاف أسرع وأكثر فاعلية، مع دعم مؤسسات الدولة ومنحها القدرة على أداء دورها بعيدًا عن الفوضى والانفعالات.

فالعدالة الحقيقية ليست تلك التي تُرضي غضب اللحظة، بل تلك التي تؤسس لمستقبل أكثر أمنًا وإنصافًا. وعندما تنتصر العدالة في إطار القانون، ينتصر المجتمع كله، أما إذا خرجت من هذا الإطار فلن يكون هناك منتصرون، بل خاسرون جدد يُضافون إلى قائمة طويلة من الخسائر التي آن لها أن تنتهي.