الأمن القومي العربي بين التمدد الإيراني وضرورة بناء حلف عربي موحد

Salah Kirata • ٢٩‏/٧‏/٢٠٢٦

62672.png


الأمن القومي العربي بين التمدد الإيراني وضرورة بناء حلف عربي موحد:

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

لم يعد الحديث عن التهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي ترفًا سياسيًا أو مادةً للسجالات الإعلامية، بل أصبح قضية وجود تتطلب مراجعة شاملة لمفاهيم الأمن والدفاع والمصالح الاستراتيجية. فالمنطقة العربية تواجه منذ سنوات مشروعًا إقليميًا تتبناه إيران، يقوم على ما أنا عليه من يقين حول توسيع النفوذ السياسي والعسكري عبر حلفاء محليين وجماعات مسلحة تتجاوز سلطة الدول، الأمر الذي أوجد واقعًا جديدًا باتت فيه بعض العواصم العربية أسيرة موازين قوة لا تصنعها مؤسساتها الوطنية وحدها.

لقد اعتمدت طهران، على مدى عقود، سياسة الجمع بين النفوذ المباشر وغير المباشر، مستندة إلى اعتبارات أيديولوجية وسياسية وأمنية، ونتيجة لذلك، ظهرت تشكيلات مسلحة في عدد من الدول العربية تعمل خارج الإطار الرسمي للدولة، وتملك من القرار والسلاح ما يجعلها، عمليًا، "دولة داخل الدولة"، وهو واقع ألقى بظلاله على استقرار أكثر من بلد عربي، وأضعف مفهوم السيادة الوطنية، وحوّل الصراعات الداخلية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل الملفات الإقليمية التي ما تزال موضع نزاع، ومنها استمرار الخلاف حول الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، والتي تؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة سيادتها عليها، بينما تسيطر عليها إيران منذ عام 1971،كما يثير وضع إقليم الأحواز (عربستان) جدلاً تاريخيًا وسياسيًا بين أطراف مختلفة، وتبقى هذه القضايا حاضرة في الخطاب العربي باعتبارها جزءًا من النزاع مع السياسة الإيرانية..

أما مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فقد تحول هو الآخر إلى ورقة ضغط جيوسياسية، لا سيما أن حكومة الملالي واجهت جهود عمان الساعية لتسوية سياسية تضع حدا للحرب بين أمريكا وإيران واجهتها بصلف واستعلاء وبلطجة وتجاوز صريح وفج لأبسط قواعد القانون الدولي، فهي بما صرحت به تعتبر قد فرضت سيادتها على المياه الإقليمية لسلطنة عمان المشكلة لمياه خليج هرمز، علما أن أي محاولة لفرض واقع أحادي أو توسيع النفوذ العسكري في هذا الممر الحيوي، أو تهديد حرية الملاحة فيه، تمثل مصدر قلق ليس فقط لدول الخليج، بل للاقتصاد العالمي بأسره، لأن أمن الممرات البحرية لا يجوز أن يخضع لإرادة دولة واحدة أو لحسابات القوة، وهاهي تباشر ضرب البنية التحتية للمملكة العربية السعودية عن طريق الحوثيين وميليشيات ايران الطائفية في العراق

وأمام هذا المشهد، يبرز سؤال مشروع وهو : 
إلى متى سيبقى العرب يتعاملون مع التحديات الأمنية كلٌ على حدة، بينما تتعامل القوى الإقليمية بمنطق المشاريع والتحالفات؟..

إن التجارب الدولية تؤكد أن الأمن الجماعي هو الضمانة الحقيقية للاستقرار. أوروبا بنت حلفًا عسكريًا وسياسيًا يحمي مصالحها، والدول الكبرى تنسق فيما بينها عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي، بينما لا تزال الدول العربية، رغم ما تمتلكه من إمكانات هائلة، تفتقد إلى منظومة دفاع عربية فاعلة تمتلك قرارها المستقل وآلياتها التنفيذية...
العلم:
فإن الدول العربية، مجتمعة، تمتلك قدرات بشرية وعسكرية واقتصادية تجعلها من أكبر القوى الإقليمية في العالم، فهي تمتلك جيوشًا حديثة، وموارد مالية ضخمة، وموقعًا جغرافيًا يتحكم بأهم الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية، وما ينقصها ليس السلاح ولا الرجال، بل الإرادة السياسية، ووحدة القرار، والانتقال من ردود الأفعال إلى صناعة المبادرة.

ولا يعني الحديث عن حلف عربي الدعوة إلى الحرب أو التصعيد، بل إلى بناء قوة ردع تحفظ السلام وتمنع الاعتداء، فالتاريخ يعلمنا أن الدول القوية هي الأقل تعرضًا للابتزاز، وأن التوازن هو الطريق الأقصر للاستقرار. ومن هنا فإن قيام منظومة عربية للأمن المشترك، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتنسيق الاستخباراتي والعسكري، وحماية الأمن البحري، سيشكل رسالة واضحة بأن الأمن القومي العربي ليس ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية...

لقد أثبتت العقود الماضية أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغًا، بل تملؤه القوى الطامحة إلى النفوذ، وإذا لم يصنع العرب منظومتهم الأمنية بأيديهم، فسيبقون يتعاملون مع نتائج سياسات الآخرين بدل أن يكونوا شركاء في صناعة مستقبل منطقتهم...

لكل ما قلته اعلاه:
فإن اللحظة الراهنة تفرض على القيادات العربية أن ترتقي إلى مستوى التحديات، وأن تدرك أن حماية الأمن القومي العربي لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية. فالأوطان لا تُحمى بالشعارات، وإنما بوحدة الموقف، واستقلال القرار، وبناء قوة عربية مشتركة قادرة على صون السيادة، وردع أي تهديد، وتحويل العالم العربي من ساحة صراعات إلى قوة إقليمية يحسب لها الجميع ألف حساب.