تصريحات طهران بين الخطاب السياسي وميزان القوة

Salah Kirata • ٢٩‏/٧‏/٢٠٢٦

62552.png


تصريحات طهران بين الخطاب السياسي وميزان القوة :

قراءة تحليلية في مواقف نائب وزير الخارجية الإيراني بشأن الحرب مع الولايات المتحدة ومستقبل مضيق هرمز...

جاءت تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي في توقيت بالغ الحساسية، بعد أسابيع من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه من خلافات حادة حول مستقبل مضيق هرمز، وقد حاول المسؤول الإيراني من خلال هذه التصريحات رسم صورة توحي بأن بلاده خرجت من المواجهة أكثر ثباتًا، وأنها ما زالت تمسك بأهم أوراق القوة في المنطقة، إلا أن القراءة الموضوعية تكشف أن جزءًا كبيرًا من هذه التصريحات يندرج ضمن الحرب النفسية وإعادة ترميم صورة الردع أكثر مما يعكس تغيرًا حقيقيًا في موازين القوى...

أولًا:
 "إيران لم تطلب التفاوض مع الولايات المتحدة"
لقد أكد نائب وزير الخارجية أن بلاده لم تطلب التفاوض مع واشنطن خلال الأيام الماضية، في محاولة لإظهار أن إيران ما زالت تتعامل من موقع الندية...

غير أن هذه العبارة لا تنفي وجود قنوات اتصال غير مباشرة، كما أنها لا تعني غياب المساعي الدبلوماسية، فالتاريخ القريب للعلاقات الأمريكية الإيرانية يثبت أن معظم المفاوضات جرت عبر وسطاء، سواء سلطنة عمان أو قطر أو أطراف أوروبية، بينما كانت التصريحات العلنية للطرفين تتسم بالتشدد، وبالتالي فإن نفي "طلب التفاوض" لا يعني بالضرورة غياب التفاوض نفسه، بل يهدف أساسًا إلى تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي اضطر للعودة إلى الطاولة تحت ضغط العمليات العسكرية والعقوبات...

ثانيًا:
 التهديد باستهداف السفن الحربية الأوروبية...
لوّح المسؤول الإيراني بأن أي سفينة حربية أوروبية تقترب من مضيق هرمز قد تصبح هدفًا مشروعًا...

هذا التهديد يحمل بعدًا سياسيًا أكثر من كونه خيارًا عسكريًا عمليًا، لأن توسيع دائرة الاشتباك لتشمل الدول الأوروبية يعني فتح جبهة جديدة مع حلف شمال الأطلسي، وهو ما تدرك طهران أنه سيؤدي إلى عزلة أكبر وربما إلى ردود عسكرية أوسع لا تبدو إيران في وضع يسمح لها بتحملها بعد الخسائر التي تعرضت لها خلال المواجهات الأخيرة...

لذلك يبدو أن الرسالة موجهة أساسًا لردع الأوروبيين عن الانخراط في أي ترتيبات أمنية تقودها الولايات المتحدة داخل المضيق، أكثر من كونها إعلانًا عن قرار عسكري جاهز للتنفيذ...

ثالثًا:
 "مضيق هرمز يخضع للقيادة الإيرانية وليس للقيادة المركزية الأمريكية"

ربما كان هذا هو أخطر ما ورد في التصريحات، إذ تحاول طهران تكريس مفهوم جديد يقوم على أن إدارة المضيق حق سيادي إيراني...

لكن من الناحية القانونية، فإن مضيق هرمز يعد من أهم الممرات البحرية الدولية، وتخضع الملاحة فيه لقواعد القانون الدولي واتفاقيات المرور العابر، ولا تستطيع دولة واحدة احتكار إدارته أو فرض إرادتها على حركة التجارة العالمية...

صحيح أن إيران تمتلك موقعًا جغرافيًا يمنحها نفوذًا كبيرًا، إلا أن هذا النفوذ لا يتحول تلقائيًا إلى سيادة منفردة على المضيق، خاصة أن سلطنة عمان تشترك أيضًا في الإشراف على الممر الملاحي من الجانب الآخر، كما أن المجتمع الدولي يرفض أي محاولة لتحويل المضيق إلى أداة ابتزاز سياسي...

رابعًا: 
استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط
إذ تكشف التصريحات أن طهران ما تزال تعتبر مضيق هرمز أهم أوراقها الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة...

غير أن هذه الورقة لم تعد تمتلك الفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها قبل سنوات، فقد دفعت الأزمات المتكررة الدول المستوردة للطاقة إلى تنويع مصادرها، كما توسعت خطوط الأنابيب البديلة، وأصبحت القوات البحرية الغربية أكثر استعدادًا للتعامل مع أي محاولة لإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة...

بعبارة أخرى، لا يزال مضيق هرمز يمثل مصدر قلق للأسواق العالمية، لكنه لم يعد السلاح الحاسم الذي يمكن لإيران من خلاله فرض إرادتها السياسية على العالم كما كان يُعتقد سابقًا...

خامسًا: 
البعد الداخلي للتصريحات، إذ لا يمكن فصل هذه التصريحات عن الداخل الإيراني...

فالقيادة الإيرانية تحتاج بعد الحرب إلى خطاب يؤكد للرأي العام أن الدولة ما زالت قوية ولم تتراجع أمام الضغوط الأمريكية، ولذلك يغلب على التصريحات الطابع التعبوي، حيث يجري التركيز على مفاهيم السيادة والكرامة الوطنية وعدم الرضوخ، وهي رسائل موجهة إلى الداخل الإيراني بقدر ما هي موجهة إلى الخارج...

الخلاصة:

تعكس تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني تمسك طهران بخطاب سياسي يقوم على ثلاثة مرتكزات: 
نفي تقديم أي تنازل، والإصرار على حقها في إدارة مضيق هرمز، والإبقاء على سياسة الردع عبر التهديد باستخدام القوة...

إلا أن ميزان القوى الفعلي يشير إلى أن إيران، رغم احتفاظها بأوراق ضغط مهمة، أصبحت تتحرك ضمن هامش أضيق مما كان عليه في السابق... فالمضيق لم يعد ورقة مطلقة، والولايات المتحدة ما زالت تمتلك التفوق البحري والعسكري، بينما يظل الخيار الواقعي للطرفين هو العودة إلى ترتيبات تفاوضية جديدة تحفظ حرية الملاحة وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لن يكون فيها منتصر حقيقي.