
تناهى إلى مسامعي:
أن الدولة تُدار بعقلية الوصاية لا بعقلية المؤسسات.
تناهى إلى مسامعي ما نُشر من رواية مطولة نُسبت إلى أحد مؤسسي "جبهة النصرة" السابقين، وتتضمن اتهامات خطيرة تتعلق بطريقة إدارة مجلس الشعب، وحجم التدخل في قراراته، وآلية تشكيل لجانه، وحدود صلاحياته، بل وحتى تفاصيل تكشف – إن صحت – أن المجلس لم يُرَد له أن يكون سلطة تشريعية مستقلة، وإنما مجرد واجهة تمنح الشرعية لقرارات جاهزة...
ولا أتوقف هنا عند التفاصيل الصغيرة، ولا عند قصة السندويشات التي أصبحت عنواناً ساخراً لما جرى، لأن المشكلة ليست في وجبة غداء غابت عن أعضاء المجلس، وإنما في غياب الدولة نفسها...
القضية ليست أن نائباً خرج يبحث عن سندويشة في السوق، بل أن المجلس – بحسب هذه الرواية – خرج يبحث عن صلاحياته فلم يجدها...
إذا صح أن رئيس السلطة التنفيذية يحدد مسبقاً اللجان التي يجوز تشكيلها، ويمنع لجاناً أخرى، ويقرر من يترأسها، ويمنع انتخابها، ويمنع مساءلة الحكومة، ويمنع مراجعة المراسيم السابقة، فما الذي بقي من معنى السلطة التشريعية؟..
( أي مجلس هذا الذي لا يشرّع، ولا يراقب، ولا يحاسب، ولا ينتخب لجانه، ولا يملك حتى حق مساءلة وزير)؟
إذا كان كل شيء يمر عبر إرادة شخص واحد، فنحن لا نتحدث عن دولة مؤسسات، بل عن إعادة إنتاج السلطة المطلقة بصورة جديدة.
أما إذا صحت الرواية القائلة إن الإعلان الدستوري كان قد صيغ في البداية بطريقة تمنح الرئيس سلطات مطلقة، ثم جرى التخفيف منها لاحقاً، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
- هل كان المشروع منذ البداية بناء دولة، أم بناء سلطة؟
لقد خرج السوريون، ودفعوا أثماناً باهظة، لأنهم كانوا يريدون إنهاء احتكار القرار، لا استبدال محتكره بآخر.
- ويريدون دستوراً يقيّد الحاكم، لا دستوراً يحصنه.
- ويريدون مجلساً يحاسب الحكومة، لا مجلساً يستأذنها.
- ويريدون قضاءً مستقلاً، لا مؤسسات تدور جميعها في فلك شخص واحد.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ناشئة هو الاعتقاد بأن الشرعية الثورية تكفي لإلغاء الشرعية الدستورية، وأن التاريخ النضالي يمنح صاحبه حق احتكار المستقبل...
فالثورات لا تنتصر عندما تغيّر الوجوه، وإنما عندما تغيّر قواعد الحكم...
ولا أحد يملك تفويضاً مفتوحاً، ولا شيكاً على بياض، ولا حقاً أبدياً في إدارة البلاد دون رقابة ومساءلة.
السوريون لم يثوروا كي ينتقلوا من عباءة الاستبداد إلى عباءة أخرى تختلف في الاسم وتتطابق في الجوهر...
ولذلك، فإن الرد الحقيقي على هذه الروايات لا يكون بالصمت، ولا بالتخوين، ولا بحملات التشهير، وإنما بالشفافية الكاملة...
إن كانت هذه الاتهامات كاذبة، فليخرج المسؤولون ويفندوها بالأدلة والوثائق...
وإن كان فيها شيء من الحقيقة، فالمطلوب تصحيحه فوراً قبل أن تتحول التجربة الجديدة إلى نسخة أخرى من التجارب التي دفع السوريون ثمنها لعقود طويلة...
- فالدولة لا تُبنى بالولاء، بل بالمؤسسات...
- ولا تُدار بالأوامر، بل بالقانون...
- ولا يحميها الأشخاص، بل يحميها الفصل بين السلطات، والرقابة، والمحاسبة، واحترام إرادة الشعب...
أما قصة السندويشات، فهي ليست فضيحة لأنها كشفت الجوع، بل لأنها – إن صحت – كشفت أن الجوع الحقيقي ليس إلى الطعام، وإنما إلى الدولة.