
حين تُفصَّل اللوائح على مقاس السلطة...
يسقط البرلمان قبل أن يبدأ.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
ليس أخطر على أي دولة تدّعي أنها تسير نحو بناء مؤسسات حديثة من أن تبدأ أولى خطواتها بتجريد السلطة التشريعية من اختصاصاتها، وتحويلها إلى هيئة تصادق على ما يُملى عليها من السلطة التنفيذية. فحين يُعاد تشكيل اللجان البرلمانية أو تُغيَّر اختصاصاتها استجابة لرغبة الحكومة، لا يعود الحديث عن مجلس شعب، بل عن إدارة ملحقة بالسلطة التنفيذية...
إن الجدل الذي رافق استبعاد لجنة العلاقات الخارجية والمغتربين واستبدالها بلجنة تحمل اسم "لجنة الشؤون الدبلوماسية والشؤون القنصلية" لا يتعلق بمجرد تغيير في الألفاظ، بل يمس جوهر الاختصاص الدستوري والرقابي للمجلس... فالاختصاص لا يختبئ خلف الأسماء، لكنه قد يُفرَّغ من مضمونه عندما تُستخدم التسميات لتضييق صلاحيات المؤسسة التشريعية...
إن العلاقات الخارجية ليست مرادفًا للشؤون القنصلية. فالدبلوماسية والقنصلية تمثلان جزءًا من عمل وزارة الخارجية، أما السياسة الخارجية فهي خيار سيادي للدولة يخضع للرقابة البرلمانية في الأنظمة التي تحترم مبدأ الفصل بين السلطات. ومن هنا، فإن حصر دور اللجنة في الجوانب الدبلوماسية والقنصلية، إذا كان المقصود منه استبعاد الرقابة على التوجهات العامة للسياسة الخارجية، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى احترام استقلال السلطة التشريعية...
إن أخطر ما في المسألة ليس تغيير الاسم، وإنما الرسالة السياسية التي يحملها هذا التغيير؛ وكأن السلطة التنفيذية تريد أن تقول للنواب:
"لكم أن تتابعوا معاملات الجوازات والوثائق وشؤون المغتربين، أما السياسة الخارجية فهي شأن حصري للحكومة، ولا يحق لكم الاقتراب منها."
وهذا المنطق يصطدم بأبسط مبادئ القانون الدستوري، فمبدأ الفصل بين السلطات لا يعني عزل السلطات عن بعضها، بل إقامة توازن بينها يقوم على الرقابة والمساءلة. والحكومة تدير السياسة الخارجية، نعم، لكنها لا تحتكر الرقابة عليها، لأن البرلمان يمثل الشعب، ومن حقه مساءلة السلطة التنفيذية عن خياراتها واتفاقاتها والتزاماتها الدولية...
كما أن الأنظمة البرلمانية المقارنة تجعل من لجان الشؤون الخارجية واحدة من أهم لجان البرلمان، لأنها تدرس الاتفاقيات الدولية، وتناقش توجهات السياسة الخارجية، وتستدعي الوزراء، وتصدر التوصيات، ولم يعرف الفقه الدستوري أن تقوم السلطة التنفيذية بإعادة تعريف اختصاص اللجنة البرلمانية بما ينسجم مع رغبتها في تقليص الرقابة...
إن تغيير المصطلحات لتغيير النتائج ليس بدعة سورية، وقد أثبتت التجارب الدولية أن الغموض في النصوص القانونية يفتح الباب أمام صراعات في التفسير والتنفيذ، ويكفي أن ننظر إلى النزاعات القانونية التي تنشأ عندما تختلف السلطات أو الدول في تفسير النصوص والاتفاقيات، لندرك أن اختيار الألفاظ ليس مسألة شكلية، بل قد تكون له آثار عملية وسياسية واسعة...
وإذا صح أن السلطة التنفيذية مارست ضغطًا لتعديل بنية اللجان أو اختصاصاتها، فإن ذلك يثير إشكالًا مؤسسيًا، لأن تنظيم أعمال المجلس ولجانه ينبغي أن يكون قرارًا صادرًا عن المجلس نفسه وفق نظامه الداخلي، لا نتيجة إملاءات من الحكومة. فاستقلال السلطة التشريعية ليس منحة تمنحها السلطة التنفيذية، وإنما ضمانة دستورية لحماية الدولة من تغول سلطة على أخرى...
إن المرحلة الانتقالية لا تبرر إضعاف المؤسسات، بل تفرض تعزيزها. فالدول الخارجة من الأزمات تحتاج إلى برلمان أكثر قوة واستقلالًا، لا إلى مجلس محدود الصلاحيات يخشى الاقتراب من الملفات السيادية. وإذا كانت الحكومة واثقة من سياساتها، فلا ينبغي أن تخشى رقابة ممثلي الشعب، لأن الرقابة ليست عرقلة، وإنما إحدى أدوات تصويب القرار العام...
وإن بناء دولة القانون يبدأ من احترام الحدود الفاصلة بين السلطات، وأول اختبار حقيقي لأي سلطة انتقالية ليس في عدد الشعارات التي ترفعها، بل في مقدار احترامها لاستقلال المؤسسات التي يفترض أن تراقبها وتحاسبها. أما حين يُعاد رسم اختصاصات البرلمان بما يوافق هوى الحكومة، فإن الخاسر ليس المجلس وحده، بل فكرة الدولة الدستورية نفسها...
قد تستطيع السلطة التنفيذية تغيير أسماء اللجان، وقد تنجح في تعديل الأنظمة الداخلية، لكنها لن تستطيع تغيير حقيقة واحدة وهي:
( أن البرلمان الذي يفقد حقه في مراقبة السياسة الخارجية يفقد جزءًا من صفته كممثل للشعب، وعندما تصبح الحكومة هي التي تحدد للبرلمان ما يجوز له مراقبته وما لا يجوز، فإننا لا نكون أمام فصل للسلطات، بل أمام سلطة واحدة تُدير الجميع، ويغدو البرلمان مجرد واجهة شكلية لا اكثر ).