ترامب يفتح باب المواجهة: من ردع إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط

Salah Kirata • ٢٩‏/٧‏/٢٠٢٦

62624.png


ترامب يفتح باب المواجهة: 
من ردع إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليست التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" مجرد رد فعل غاضب على الهجوم الإيراني الأخير ضد القوات الأمريكية في الأردن، بل تبدو أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة في استراتيجية واشنطن تجاه إيران وأذرعها المسلحة في المنطقة، فاللغة التي استخدمها ترامب تجاوزت حدود الإدانة السياسية إلى لغة توحي بأن قواعد الاشتباك نفسها باتت على وشك التغيير...

عندما وصف ترامب المليشيات المدعومة من إيران بأنها "سرطان العالم"، فإنه لم يكن يطلق توصيفاً إعلامياً عابراً، بل كان يضع هذه المجموعات في خانة التهديد الوجودي للأمن الدولي، تماماً كما استخدمت الإدارات الأمريكية السابقة توصيفات مشابهة في تبرير حملاتها العسكرية ضد تنظيمات إرهابية عابرة للحدود، وهذا التوصيف يحمل دلالة سياسية خطيرة، لأنه يمهد لتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل كل من تعتبره واشنطن جزءاً من المنظومة الإيرانية، وليس فقط من يشارك مباشرة في مهاجمة القوات الأمريكية...

الأكثر أهمية أن ترامب كشف أن الضربات التي استهدفت المليشيات في العراق جرت "بتنسيق مع الحكومة العراقية"، وهذه العبارة ليست تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى طهران بأن بغداد لم تعد ساحة مفتوحة تتحرك فيها المليشيات بعيداً عن إرادة الدولة، والثانية إلى تلك المليشيات نفسها بأن الغطاء السياسي الذي احتمت به لسنوات بدأ يتآكل، وأن هامش المناورة يضيق يوماً بعد آخر.

لكن التصريح الأكثر إثارة كان اعترافه بأن الهجوم الإيراني الأخير كان مفاجئاً، وأن القوات الأمريكية لم تمتلك سوى دقائق معدودة لاعتراض الصواريخ، هذا الاعتراف، على غير عادة الرؤساء الأمريكيين، يحمل بعدين متناقضين؛ فمن جهة يعكس حجم الجرأة الإيرانية في تنفيذ الهجوم، ومن جهة أخرى يهيئ الرأي العام الأمريكي والدولي لتقبل رد قد يكون غير مسبوق من حيث الحجم أو طبيعة الأهداف...

وحين يقول ترامب إن الولايات المتحدة "ستلقن إيران درساً قاسياً"، فإن هذا الوعد لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خطاب انتخابي أو انفعال سياسي، فترامب يدرك أن أي تراجع في الرد سيُفسر في طهران على أنه ضعف، وسيمنح إيران وأذرعها دافعاً لتكرار الهجمات. لذلك يبدو أن الإدارة الأمريكية تتجه إلى إعادة تثبيت معادلة الردع، ولكن بأسلوب أكثر قسوة وأقل تسامحاً مع ما تسميه "الحروب بالوكالة"...

إيران، من جهتها، تدرك أن ميزان القوى التقليدي لا يسمح لها بمواجهة الولايات المتحدة مباشرة، ولذلك بنت استراتيجيتها طوال العقود الماضية على شبكة من المليشيات الممتدة من العراق إلى سورية ولبنان واليمن، غير أن هذه الاستراتيجية قد تتحول اليوم إلى نقطة ضعف، إذا قررت واشنطن استهداف الشبكة بأكملها بدلاً من الاكتفاء بالرد على كل هجوم بصورة منفصلة...
لكل هذا:
فإن ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل للضربات، بل صراع على مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تريد إنهاء مرحلة السلاح الخارج عن سلطة الدول، بينما ترى إيران أن هذا السلاح هو الضمانة الأساسية لاستمرار مشروعها الإقليمي. وبين المشروعين تقف دول المنطقة أمام مرحلة قد تكون الأكثر حساسية منذ سنوات، لأن أي خطأ في الحسابات قد يحول المواجهة المحدودة إلى نزاع واسع يصعب احتواؤه...

 لالمحصلة، تبدو تصريحات ترامب أقل شبهاً بخطاب إعلامي وأكثر شبهاً ببيان سياسي يسبق مرحلة جديدة من التصعيد، وإذا صدقت كلماته، فإن الشرق الأوسط قد يكون على موعد مع سياسة أمريكية أكثر هجومية، عنوانها ليس فقط الرد على الهجمات، بل تفكيك البنية العسكرية التي بنتها إيران خارج حدودها. وعندها لن يكون السؤال: هل سترد واشنطن؟ بل إلى أي مدى ستذهب في إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة؟