حين يصبح تغيير الوجوه بديلاً عن تغيير النهج... الرئيس أحمد الشرع مثالاً

Salah Kirata • ٢٩‏/٧‏/٢٠٢٦

62564.png


حين يصبح تغيير الوجوه بديلاً عن تغيير النهج...
الرئيس أحمد الشرع مثالاً.

الثورات لا تقوم من أجل استبدال حاكم بحاكم، ولا من أجل استبدال اسم بآخر، وإنما تقوم لتغيير طريقة الحكم ذاتها. تقوم من أجل بناء دولة القانون، وإقامة مؤسسات تراقب السلطة وتحاسبها، لا لتمنحها شرعية جديدة كي تمارس الاستبداد بوجوه مختلفة...

لهذا، لم يكن أكثر ما أثار قلقي هو ما يظهر على شاشة التلفاز من ابتسامات الرئيس أحمد الشرع، أو هدوء نبرته، أو تواضع حضوره، أو لغة الجسد التي تعكس كثيرًا من الأدب والاتزان، فهذه أمور قد تكون حقيقية، وكذا فقد تكون ثمرة إعداد سياسي وإعلامي احترافي كان قد سبق وصوله إلى سدة الحكم في سورية التي روضها حافظ الأسد بعد أن كانت صعبة المراس وعصرية، والخشية أن يكون الشرع هو من سيستثمر بما قام به الأسدان من أصناف تعامل في مسعى لإخضاع الشعب السوري...

الا ما يهمني حقًا فهو ما يجري عندما تُطفأ الكاميرات، ويغادر الإعلام، وتبدأ صناعة القرار بعيدًا عن أعين الناس.

فبحسب ما يتداوله عدد ممن اتيح لهم رؤية المشهد بعيدا عن الأضواء والماكياج وكذا التعليمات التي تسبق اي لقاء، فإن الصورة تختلف كثيرًا خلف الأبواب المغلقة، فهناك، كما يُقال، يظهر وجه آخر أكثر حسمًا، وأكثر ميلًا إلى احتكار القرار، وأقل استعدادًا لقبول الشراكة أو الاختلاف، وإذا صحت هذه الروايات، فإنها تعيد إلى الأذهان سؤالًا مؤرقًا هو:
- هل غادر السوريون حقبة الحكم الفردي فعلًا، أم أنهم يقفون على أعتاب نسخة جديدة منه؟..

ومن أكثر ما أُثير في هذا السياق ما نُسب إلى اجتماع الرئيس أحمد الشرع مع الدكتور عبد الحميد العواك قبل الجلسة الثانية لمجلس الشعب، حيث قيل إنه طلب منع تشكيل لجنة للعلاقات الخارجية وحصر هذا الملف بالرئاسة ووزارة الخارجية، وإلغاء لجنة العلاقات الأمنية، ومنع انتخاب اللجان البرلمانية بحيث يتم تشكيلها بقرار من رئاسة المجلس بعد التنسيق مع الرئاسة، إضافة إلى رفض مراجعة المراسيم الرئاسية السابقة، ومنع مجلس الشعب من ممارسة أي مساءلة حقيقية للحكومة، بحيث يقتصر دوره على الاستفسار دون امتلاك أي وسيلة للمحاسبة...

وتضيف الرواية أن الدكتور عبد الحميد العواك رفض هذه التوجهات، وأبلغ أعضاء المجلس بأن المطلوب هو منح الرئيس صلاحيات واسعة مقابل تمرير بعض الإجراءات الشكلية...

ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، بل امتدت – وفقًا لما هو متداول – إلى الخلافات التي رافقت تشكيل مجلس الشعب نفسه، والصراع على رئاسته، والاستياء الذي أبداه الرئيس من بعض الأسماء التي وصلت إلى المجلس، وهو ما يعكس، إن صح، أن القضية لم تكن بناء مؤسسة مستقلة، بل السيطرة على المؤسسة ومن يتحكم بقرارها...

أما أخطر ما يُتداول، فهو ما نُسب إلى الدكتور عبد الحميد العواك بشأن لجنة صياغة الإعلان الدستوري، عندما قال إنه فوجئ بمشروع يمنح رئيس الجمهورية سلطات مطلقة تكاد تجعل الإعلان أقرب إلى دستور ملكي، وأن اللجنة سعت إلى تقليص تلك الصلاحيات قدر الإمكان قبل إخراج النص بصيغته النهائية...

إذا كانت هذه الروايات صحيحة، فإنها لا تتحدث عن خلافات إجرائية داخل السلطة، بل عن فلسفة حكم كاملة، قوامها تركيز السلطات في يد شخص واحد، وتحويل المؤسسات إلى هياكل شكلية تمنح الشرعية لقرارات تُتخذ سلفًا...

وهنا يصبح السؤال مشروعًا وهو:
-  ألم يدفع السوريون أثمانًا باهظة لكي يتخلصوا من هذه الصيغة من الحكم؟.. - وهل كان حلمهم أن يستبدلوا شخصًا بشخص، بينما يبقى جوهر النظام كما هو؟..

لقد علّمتنا التجارب أن الاستبداد لا يرتبط باسم أو حزب أو عقيدة، بل يرتبط بغياب الرقابة، واحتكار القرار، وإضعاف المؤسسات، وإقصاء كل من يختلف مع الحاكم، وعندما تُفرَّغ البرلمانات من صلاحياتها، ويُمنع القضاء من استقلاله، وتصبح الحكومة بمنأى عن المساءلة، فإن الديمقراطية تتحول إلى مجرد ديكور سياسي، مهما كانت الشعارات براقة...

ولعل أبلغ ما يمكن أن يختصر هذه الحالة تلك الحكاية الشعبية التي تناقلها السوريون طويلًا عن حفّار القبور الذي كان ينبش القبور ليسرق ما بقي مع الموتى ثم يعيد دفنهم، وبعد موته، أراد ابنه أن يجعل الناس يترحمون على أبيه، فصار لا يكتفي بالسرقة، بل يترك الجثث مكشوفة فوق القبور وينتهك حرمتها، حتى أخذ أهل القرية يقولون: "رحم الله أباه."

ليست هذه الحكاية دعوة إلى الحنين للماضي، فالماضي بكل ما فيه من استبداد لا يستحق الحنين، لكنها تحذير من أن من يكرر أخطاء من سبقه، أو يزيد عليها، قد يدفع الناس إلى مقارنة لا ينبغي أن تُفرض عليهم أصلًا...

إن سورية اليوم لا تحتاج إلى زعيم جديد يمتلك صلاحيات مطلقة، بل تحتاج إلى مؤسسات تمتلك القدرة على قول "لا"، تحتاج إلى برلمان يراقب، وقضاء يحاسب، وصحافة تسأل، ومواطن يشعر أن حقوقه يحميها القانون لا مزاج الحاكم...

فالدولة التي تُبنى على شخص، مهما بلغت شعبيته أو قوته، تحمل في داخلها بذور أزمتها. أما الدولة التي تُبنى على المؤسسات، فهي وحدها القادرة على البقاء، لأنها لا تجعل مصير الوطن مرهونًا بإرادة فرد، بل بإرادة شعب يحكمه القانون.