--:--
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعلن موعد توقيع الاتفاق مع إيران، ويكشف ترتيبات فتح مضيق هرمز ومستقبل الملف النووي الإيراني فوكس نيوز : سيتم رفع الحصار البحري عن ايران بالتوازي مع فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية الرئيس أحمد الشرع: تكاتف السوريين أساس بناء الدولة ونفي قاطع للشائعات حول لبنان تراجع مشروع استثماري في دمشق يسلط الضوء على مخاوف من ابتزاز ووسطاء غير رسميين، ما يثير تساؤلات حول بيئة الاستثمار وغياب الشفافية وتأثير ذلك على ثقة رؤوس الأموال وإعادة الإعمار.

بين الأيديولوجيا والدولة... سورية بين مشروعين متصارعين وتحولات السلطة والهوية الصراع على المعنى قبل الصراع على الحكم

Salah Kirata • ١٤‏/٦‏/٢٠٢٦

46998.jpg

بين الأيديولوجيا والدولة...
 سورية بين مشروعين متصارعين وتحولات السلطة والهوية
الصراع على المعنى قبل الصراع على الحكم:

في الثقافة الإخوانية، هناك رجحان—مادي ومعنوي معاً وفي آن واحد—للدين على الوطنية أو القومية؛ إذ تُقدَّم الأولوية للدين، بينما تُطرح “الدولية الإسلامية” كهدف استراتيجي يُراد الوصول إليه بوصفه الغاية النهائية للمشروع السياسي والاجتماعي، ولو كان ذلك على حساب كل شيء، بما في ذلك—وفق هذا التصور—الأعراض والأرزاق وسائر مناحي الحياة العامة.

وليس في هذه الثقافة، بحسب هذا الفهم، أي مفاهيم مدنية بالمعنى الحديث للدولة، ولا يدخل في حساباتها نموذج الدولة الديمقراطية الناتجة عن عقد اجتماعي يؤسس لدولة القانون والمواطنة، فالتشريع، وفق هذه الرؤية، هو تشريع ديني بالأساس، وبالتالي فإن أي اعتبار آخر يُعلَّق أمام هذا المرجع الأعلى، بما في ذلك الديمقراطية والمواطنة والحياة السياسية، وحتى الاجتماعية، ومن هنا، لا وجود—وفق هذا المنظور—لقوى سياسية أو مجتمعية مستقلة، ولا لنقابات، ولا لبنية مدنية فاعلة خارج الإطار العقائدي الجامع...

من هذا المدخل، لا يمكن فهم الصراع على سورية منذ مرحلة ماقبل جلاء المستعمر الفرنسي، بوصفه مجرد تنازع سياسي على السلطة، بل بوصفه صراعاً أعمق بين مشروعين متقابلين في تعريف الدولة والمجتمع والشرعية، لا ثالث لهما في جوهر هذا المسار:

التيار الأول:
 هو التيار الديني الأصولي، الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين أمّه وأبوه، وتفرعت عنه لاحقاً جماعات إسلامية متعددة التكوينات والمرجعيات، وصولاً إلى التيارات الجهادية والمتطرفة، باعتبارها امتداداً أو تشظياً أو توليداً من بنيته الأولى، وما نشأ عنها من أشكال تنظيمية وفكرية متباينة في الدرجة لا في الجوهر...

أما التيار الثاني:
 فهو التيار القومي، الذي جسّده عملياً حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي تبنى فكراً قومياً تحررياً مدنياً علمانياً، مع رؤى اشتراكية ضمن إطار ما سُمّي بـ“الطريق العربي نحو الاشتراكية العلمية”، لم يكن سوى تسويف لقناعة الحزب أنه لا اشتراكية ضمن ثقافته وايدلوجيته إلا الاشتراكية العلمية، وعندما طرح هذه الرؤية التي لا يؤمن بها إلا خطوة تكتيكية في مواجهة العقم في التفكير لدى شرائح واسعة من المسلمين الذين يرون في الاشتراكية العلمية على أنها منتوج شيوعي والشيوعية عند هؤلاء تعنية الالحاد والكفر...
 لكن طرح الاشتراكية في سياقها العلمي لم يكن مجرد شعار سياسي بل كان مشروع دولة حاول الربط بين النضال القومي والاشتراكي، وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية، ضمن تصور أيديولوجي شامل للدولة والمجتمع...

ولهذا، فقد رُفض هذا المشروع من قبل الجماعة الإسلامية وكافة الجماعات التي تفرعت أو خرجت من رحمها، ليس فقط لاختلاف سياسي، بل لتناقض جذري في المرجعية:

-  بين دولة تُعرَّف بالقومية والمواطنة...
-  وأخرى تُعرَّف بالعقيدة والمرجعية الدينية الشاملة...

وأخيراً:
 لا يمكن الجزم بأن حافظ الأسد، عند وصوله إلى السلطة، كان يتحرك بدافع طائفي مباشر، بل كان في بداياته أقرب إلى رؤية قومية ترى في الدولة مشروعاً عربياً واسعاً يتجاوز الانقسامات الداخلية...

غير أن النشاط الإسلامي والاضطرابات التي شهدتها سورية في نهاية السبعينات وحتى أواسط الثمانينات من القرن الماضي، والتي أظهرت صراعا لم يكن معلنا منذ الاستقلال بين التيار القومي والتيار الديني، هما من أسهما في إعادة صياغة حساباته السياسية والأمنية بشكل عميق، وتحديدا بعد مجزرة كلية مدفعية الميدان عام ١٩٧٩ والتي فتحت أبواب جهنم على سورية، وهو ما انعكس لاحقاً في ترجيح معيار الولاء المطلق عند حافظ الأسد على أي معيار آخر، بما في ذلك الانتماء الوطني والسياسي، وتحول مفهوم الدولة تدريجياً من فضاء سياسي جامع إلى بنية أمنية شديدة المركزية...

وعلى اعتبار أن الجماعة، بداية كما  الأسد نهاية، كان الكرسي والوصول إليه عند الإخوان، والحفاظ عليه عند حافظ الأسد، هو جوهر الخلاف الذي تحوّل إلى صراع مفتوح على شكل الدولة نفسها، لا على إدارة السلطة فقط، وفي هذا السياق، اضطر النظام إلى إعادة ترتيب أدواته، والاعتماد على شبكات ولاء ضيقة وصلبة، باعتبارها الضمانة الأهم للاستمرار، وهو ما أنتج لاحقاً مظاهر الطائفية بأبشع تجلياتها، وصولاً إلى العائلية والتوريث بوصفها صيغة نهائية لانغلاق السلطة، وجريمة بحق الفكر القومي العربي الذي نادى به حزب البعث العربي الاشتراكي...
لأقول بصراحة:
لقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الذي لا يحتمل التأويل أن السنة العرب من السوريين، في غالبيتهم، لهم ميول دينية وهم بذا ولجهة العقيدة أقرب إلى جماعة الإخوان من أي تنظيم سياسي مدني، ولذلك كان الصراع محتدماً في بنيته الاجتماعية والسياسية، وقد حُسم—بحسب هذا المسار التاريخي—ليس فقط بقوة الداخل، بل أيضاً بتداخلات إقليمية ودولية، انتهت إلى ترجيح كفة التيار الإسلامي في أكثر من ساحة، مع ما رافق ذلك من إعادة تشكيل خريطة الدولة والمجتمع، بحيث باتت سورية في قلب مشروع تفكيك طويل الأمد، لا مجرد دولة في حالة صراع داخلي.