
حين يصوّت الأمريكيون ضد الحرب... تبدأ الهزيمة من الداخل.
ليست كل الحروب تُحسم على جبهات القتال، فبعضها يُحسم في محطات الوقود، وعلى رفوف المتاجر، وفي صناديق الاقتراع، والتاريخ الأمريكي يقدم شواهد كثيرة على أن الرأي العام كان، في نهاية المطاف، العامل الأكثر تأثيرًا في رسم حدود القوة الأمريكية، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان...
* واليوم، يبدو أن الحرب على إيران تسير في الاتجاه ذاته:
فاستطلاع الرأي الذي أجرته رويترز/إبسوس لا يكشف مجرد تراجع في نسبة المؤيدين للحرب، بل يعكس تحوّلًا أعمق في المزاج الأمريكي، فحين لا يؤيد الحرب سوى ثلث الأمريكيين، بينما يعارضها قرابة ثلثيهم، فإن ذلك يعني أن الإدارة الأمريكية تواجه معركة داخلية لا تقل صعوبة عن أي مواجهة خارجية.
* وليس من الصعب فهم أسباب هذا التحول:
فالأمريكي العادي لا يقيس الحرب بعدد الطائرات أو الصواريخ، وإنما بما يدفعه من جيبه، فقد أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكلفة المعيشة، وقفزت أسعار الوقود بصورة أثقلت كاهل الأسر الأمريكية، وانعكس ذلك مباشرة على معدلات التضخم وأسعار المواد الغذائية، لتصبح الحرب بالنسبة للمواطن الأمريكي فاتورة يومية يدفعها من دخله قبل أن تكون عنوانًا في نشرات الأخبار...
ومع كل ارتفاع في الأسعار، تتراجع الشعارات الكبرى أمام هموم الحياة اليومية، ويصبح السؤال الأكثر حضورًا:
- لماذا نخوض هذه الحرب أصلًا؟..
وهنا تظهر المعضلة الثانية، وهي غياب الهدف الواضح، فالخطاب الرسمي تنقّل بين منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ثم تدمير قدراتها الصاروخية، ثم الحديث عن تغيير النظام في طهران، الأمر الذي ولّد شعورًا عامًا بأن أهداف الحرب غير محددة، أو أنها تتغير تبعًا لمجريات الأحداث. وليس مستغربًا، والحال هذه، أن يرى أغلب الأمريكيين أن الإدارة لم تنجح في شرح غايات الحرب بصورة مقنعة...
وعندما يغيب الهدف، تغيب القدرة على قياس النجاح، وتتحول الحرب إلى مشروع مفتوح لا يعرف أحد متى ينتهي ولا كم سيكلّف...
هذا الغموض انعكس سريعًا على الحياة السياسية الداخلية، فالناخب الأمريكي يربط بين الأداء الاقتصادي والسياسات الخارجية، وأي حرب تستنزف الاقتصاد تتحول تلقائيًا إلى عبء انتخابي على الحزب الحاكم، وهو ما بدأت مؤشراته تظهر في استطلاعات الرأي المتعلقة بانتخابات الكونغرس، حيث يبدو أن المستقلين يميلون إلى معاقبة من يرون أنه حمّلهم أعباء حرب لا تمس حياتهم المباشرة...
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن أخطر ما تخشاه واشنطن ليس خسارة معركة، بل الدخول في حرب استنزاف طويلة. فالولايات المتحدة تدرك أن الانتصار العسكري لا يساوي بالضرورة انتصارًا سياسيًا، وأن الحروب الممتدة تستنزف الموارد، وتقلل الجاهزية، وتفتح المجال أمام القوى المنافسة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، لتعزيز مواقعها في النظام الدولي...
لهذا، فإن الإدارة الأمريكية ستكون مضطرة، عاجلًا أم آجلًا، إلى الموازنة بين أهدافها العسكرية وكلفتها السياسية والاقتصادية، فالقوة العظمى لا تُقاس فقط بما تمتلكه من حاملات طائرات، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية، لأن أي انقسام داخلي واسع يحدّ من حرية القرار الخارجي...
وفي تقديري:
فإن الولايات المتحدة تقف اليوم أمام مفترق طرق، فإذا استمرت الحرب دون تحقيق نتائج حاسمة وسريعة، فإن الضغوط الاقتصادية والسياسية ستزداد، وسيعلو صوت الداعين إلى إنهاء الانخراط العسكري والتركيز على الداخل الأمريكي. أما إذا تمكنت الإدارة من فرض تسوية سياسية تحفظ مصالحها بأقل كلفة، فستسعى إلى تقديمها بوصفها إنجازًا استراتيجيًا يجنّبها مستنقعًا جديدًا...
فالدرس الذي أثبته التاريخ مرارًا هو أن الجيوش قد تنتصر في الميدان، لكن الدول لا تنتصر إلا إذا بقيت شعوبها مقتنعة بأن ثمن الحرب أقل من ثمن السلام، وعندما يفقد المواطن هذه القناعة، تبدأ معركة الانسحاب، مهما بلغت القوة العسكرية، لأن الشرعية الشعبية كانت وستبقى السلاح الأهم في أي حرب طويلة.