
إنها أمريكا...
فمن عندها كان المبتدأ، ومن عندها جاء الخبر:
ليس من السهل كتابة تاريخ سورية الحديث دون أن تتقاطع السطور مع أسماء العواصم الكبرى، فدمشق، منذ منتصف القرن الماضي، لم تكن تتحرك في فراغ، ولم تكن الانقلابات التي عصفت بها بمنأى عن صراع الإرادات الدولية، ومن يقرأ التاريخ بعينٍ مفتوحة يدرك أن ما جرى لم يكن مجرد أخطاء محلية، بل تفاعل معقد بين استبداد داخلي ورعاية خارجية، دفعت سورية ثمنه وطنًا وشعبًا...
وفي اعتقادي، فإن خيط المأساة بدأ ينسج منذ انقلاب عام 1966، حين دخلت الدولة السورية مرحلة جديدة من الصراع على السلطة، قبل أن تأتي نكسة حزيران 1967 لتكشف حجم الخلل في بنية القرار العسكري والسياسي...
سيبقى البلاغ العسكري رقم (66)، الذي صدر عن وزير الدفاع حافظ الأسد معلنًا سقوط القنيطرة قبل سقوطها الفعلي، واحدًا من أكثر الوقائع إثارة للجدل في التاريخ السوري الحديث، فالبلاغ موثق، أما تفسير أسبابه ودلالاته فظل موضع خلاف بين المؤرخين والسياسيين، لكن المؤكد أن أثره كان كارثيًا على سير المعركة ومعنويات القوات، وأنه ترك جرحًا لم يندمل في الذاكرة الوطنية...
ثم جاءت "الحركة التصحيحية" عام 1970، ليخرج حافظ الأسد من صراع الرفاق منتصرًا، ويؤسس نظامًا حكم سورية ثلاثة عقود. وما زالت بعض الروايات تتحدث عن أدوار خارجية أحاطت بتلك المرحلة، ومن بينها ما أثير حول وجوده في بريطانيا بعيدًا عن رفاقه قبل الانقلاب، وهي روايات لم تحسمها وثائق رسمية منشورة، لكنها بقيت حاضرة في النقاش السياسي السوري...
غير أن أخطر ما فعله حافظ الأسد لم يكن استلام السلطة، بل إعادة تعريف الدولة نفسها، فقد انتقلت سورية، بالتدرج، من دولة لها مؤسسات إلى دولة تتمحور حول شخص، ثم حول عائلة. وعندما أصبحت الجمهورية قابلة للتوريث، كان ذلك إيذانًا بانتهاء السياسة وبدء زمن الملكية المقنعة...
وحين رحل حافظ الأسد عام 2000، لم يكن العالم يجهل ما يجري في دمشق، فقد رأى الجميع كيف عُدّل الدستور خلال ساعات ليتناسب مع عمر بشار الأسد، وكيف انتقلت الرئاسة من الأب إلى الابن في مشهد لم تعرفه الجمهورية العربية السورية من قبل...
والأكثر دلالة أن وزيرة الخارجية الأميركية، مادلين أولبرايت، خصت بشار الأسد بلقاء منفرد على هامش مراسم العزاء، في وقت كان العالم ينتظر معرفة موقف واشنطن من أول عملية توريث جمهوري في المنطقة...
اللقاء موثق، أما مغزاه السياسي فظل محل اجتهاد، لكنه، في أقل تقدير، عكس قبولًا أميركيًا بالتعامل مع الوريث الجديد، لا اعتراضًا على طريقة وصوله إلى الحكم...
وهنا تبرز المفارقة الكبرى، فالولايات المتحدة التي طالما رفعت راية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لم نسمع منها اعتراضًا حقيقيًا على تعديل دستور دولة ذات سيادة ليُفصّل على مقاس شخص واحد. ولم نشهد ضغطًا جديًا لمنع تحويل الجمهورية إلى إرث عائلي. بدا وكأن المبادئ تتراجع عندما تتقدم حسابات المصالح...
ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا يزال مطروحًا حتى اليوم:
هل كان المطلوب إصلاح النظام، أم الإبقاء عليه حتى يؤدي الدور المرسوم له في لحظة ما؟..
لا أزعم أن هناك وثيقة أميركية معلنة تقول إن واشنطن اختارت بشار الأسد أو خططت لتدمير سورية منذ ستينيات القرن الماضي، فمثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة قاطعة، لكن من حق الباحث أن يتساءل:
كيف مرّ توريث السلطة بهذا الهدوء الدولي؟ ولماذا قُبلت سابقة كهذه في بلد كان يُفترض أنه جمهورية؟..
ثم جاءت السنوات التالية لتجيب بطريقة مختلفة:
لقد دخل بشار الأسد القرن الحادي والعشرين محاطًا بآمال واسعة، لكنه خرج منه قائدًا لدولة ممزقة، مدن سويت بالأرض، ملايين السوريين بين لاجئ ونازح، اقتصاد منهار، مجتمع مثقل بالجراح، وسيادة أصبحت موزعة بين قوى إقليمية ودولية...
قد يختلف الناس في تحديد المسؤوليات، لكنهم لا يستطيعون إنكار أن القوى الكبرى تعاملت مع سورية بوصفها ساحة مصالح أكثر منها وطنًا لشعب يستحق الحياة الكريمة...
لقد أثبتت التجربة السورية أن الاستبداد الداخلي لا يعيش طويلًا من دون مظلات خارجية، كما أن التدخلات الخارجية تجد دائمًا في الاستبداد البيئة المثالية للتمدد. وهكذا تشكلت الحلقة الجهنمية التي ابتلعت سورية لعقود...
ولذلك، فإنني أرى أن توريث الحكم عام 2000 لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل كان لحظة مفصلية فتحت الباب أمام الكارثة الكبرى، يومها لم يسقط الدستور وحده، بل سقطت آخر فرصة لبناء دولة طبيعية، وأُطلقت رصاصة البداية في مسار انتهى إلى خراب الإنسان والعمران...
لهذا أقول، دون تردد:
عندما نتأمل المشهد السوري بكل تفاصيله، يصعب تجاهل دور القوى الكبرى في صناعة البيئة التي سمحت باستمرار هذا المسار. أما الولايات المتحدة، فقد كانت حاضرة في اللحظات المفصلية، سواء بالصمت أو بالقبول أو بإدارة المصالح، لأنها تشكل امتدادًا منطقيًا لفكرة المقال وعنوانه، مع الحرص على التمييز بين الوقائع والاستنتاجات:
وإذا كان انتقال السلطة عام 2000 قد مرّ في ظل قبولٍ دولي لافت، فإن سقوط نظام بشار الأسد وما أعقبه من وصول هيئة تحرير الشام وحلفائها من الفصائل الإسلامية المسلحة إلى قيادة المرحلة الانتقالية فتح بابًا جديدًا للأسئلة ذاتها، فقد بدا الموقف الأميركي، ولا سيما في الخطاب السياسي للرئيس دونالد ترامب، متسامحًا إلى حدّ كبير مع السلطة الجديدة، بل اتسم في كثير من الأحيان بقدرٍ واضح من الإشادة برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وكأن واشنطن وجدت في هذا التحول ما ينسجم مع رؤيتها ومصالحها. وقد يختلف المراقبون في تفسير هذا الموقف، لكن الثابت أن الانتقال من نظامٍ إلى آخر لم يُقابل بالتحفظ الذي توقعه كثيرون، بل بحالة من الانفتاح السياسي والدبلوماسي اللافت، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة السؤال نفسه: هل كانت التحولات السورية تجري خارج الإرادة الدولية، أم أن القوى الكبرى كانت تتعامل مع كل مرحلة باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالحها؟..
وعند هذه النقطة تحديدًا، يعود العنوان ليختصر المشهد كله:
إنها أمريكا... فمن عندها كان المبتدأ، ومن عندها جاء الخبر، فبين قبول توريث الجمهورية عام 2000، والترحيب بالنظام الذي أعقب سقوطها، تتبدل الوجوه وتبقى المصالح هي الثابت الأكبر، أما الشعب السوري فكان، في الحالتين، هو من دفع الثمن.