
لو تبدلت الطوائف...
هل كانت الأحكام ستبقى كما هي؟ :
من أكثر الأسئلة إزعاجاً في النقاش السوري ذلك السؤال الافتراضي الذي يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلامس إحدى أكثر العقد تعقيداً في التاريخ السوري الحديث:
- ماذا لو كان حافظ الأسد سنياً؟..
او :
- ماذا لو كان أحمد الشرع علوياً؟..
قد يعتقد البعض أن السؤال استفزازي أو عبثي، لكنه في الحقيقة أداة لفحص معاييرنا نحن، أكثر مما هو محاولة لإعادة كتابة التاريخ...
فالتاريخ لا يتغير بالافتراضات، لكن الافتراضات تكشف أحياناً ما نخفيه عن أنفسنا...
لقد نشأ النظام الذي أسسه حافظ الأسد عام 1970 بوصفه نظاماً سياسياً وأمنياً قبل أن يُنظر إليه بوصفه ظاهرة طائفية، فالسلطة استندت إلى الجيش والحزب والأجهزة الأمنية وشبكات الولاء والمصالح، وهي أدوات عرفتها أنظمة كثيرة في العالم لا يجمع بينها انتماء مذهبي واحد...
لكن خصوصية الحالة السورية تكمن في أن البنية السياسية للنظام تداخلت تدريجياً مع البنية الاجتماعية للطائفة التي ينتمي إليها رأس السلطة، حتى بات من الصعب لدى قطاعات واسعة من السوريين والعرب الفصل بين النظام والطائفة، وبين الدولة والجماعة الأهلية...
* هنا بدأ الخلط الكبير :
فبدلاً من أن يُنظر إلى الاستبداد باعتباره ظاهرة سياسية لها أدواتها ومؤسساتها ومسؤولوها، جرى اختزاله شيئاً فشيئاً في هوية اجتماعية بعينها...
* ومع مرور الزمن لم يعد السؤال المطروح:
- كيف يعمل النظام؟..
بل أصبح:
- من أي طائفة يأتي النظام؟..
وهو تحول خطير في الوعي السياسي، لأن التركيز على هوية الحاكم غالباً ما يحجب طبيعة الحكم نفسها...
فلو افترضنا أن حافظ الأسد كان سنياً ومارس السياسات ذاتها اقصد أنه قام بما قام به فعلا من احتكار السلطة، بناء الدولة الأمنية، قمع المعارضين، توريث الحكم، واستخدام العنف المفرط ضد الخصوم، فهل كانت هذه الأفعال ستصبح أقل استبداداً؟..
بالطبع:
( لا )...
لكن الأرجح أن تفسيرها كان سيختلف، لأنها كانت ستُقرأ بوصفها ممارسات سلطة سياسية مستبدة، لا باعتبارها تعبيراً عن هيمنة جماعة مذهبية على جماعة أخرى...
وكان من المرجح ايضاً أن يتحول الصراع إلى نزاع بين مجتمع وسلطة، أكثر منه نزاعاً بين هويات أهلية متنافسة...
وفي المقابل:
لو ظهر قائد معارض نجح في إسقاط النظام وهو ينتمي إلى الطائفة العلوية نفسها، فهل كان سيحصل على الشرعية الشعبية والإعلامية ذاتها التي يحصل عليها اليوم الرئيس احمد الشرع كونه ينتمي إلى الأكثرية السنية، وهو يظهره كهوية ضيقة على العلم ويعلنه على رؤوس الأشهاد حتى في موسكو غلب عليه طبعه لما وصف الأرض الروسية بالأرض ( المباركة )، كما لو أنه في خطبة الجمعة أو حتى في سوق الجمعة يشتري بعض الحاجيات...
عموماً:
لا أحد يستطيع الجزم، لكن التجارب السياسية في المنطقة تجعل هذا الاحتمال موضع تساؤل مشروع، فالشرق الأوسط ليس منطقة تحكمها الوقائع وحدها، بل تحكمها أيضاً التصورات المسبقة والهويات الجمعية والذاكرة التاريخية...
وغالباً ما تُستقبل الشخصيات السياسية لا وفق برامجها وأفعالها فقط، بل وفق الانتماءات التي تحملها في وعي الجمهور، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس عن حافظ الأسد أو أحمد الشرع بحد ذاتهما، بل عن معايير التقييم التي يستخدمها الناس...
- هل نحن نحاكم السلطة وفق سلوكها أم وفق هوية أصحابها؟..
- وهل نمنح الشرعية للمعارضة بسبب مشروعها السياسي أم بسبب انتمائها الاجتماعي؟..
للعلم :
فإن المشكلة السورية لم تكن يوماً مشكلة طائفة منفردة بقدر ما كانت مشكلة دولة فشلت في بناء مفهوم المواطنة المتساوية...
فحين تغيب المؤسسات المستقلة والقضاء العادل والتداول السلمي للسلطة، تبدأ الجماعات بالبحث عن الأمان داخل هوياتها الأولية:
"الطائفة والعشيرة والمنطقة والإثنية"...
وعندها تتحول السياسة إلى امتداد للخوف الاجتماعي، وفي هذه اللحظة تحديداً يصبح المستبد ممثلاً لطائفته في نظر خصومه، حتى لو لم يقدم نفسه كذلك، ويصبح المعارض ممثلاً لجماعته في نظر مؤيديه، حتى لو رفع شعارات وطنية عامة...
وهكذا تنتقل المعركة من حقل السياسة إلى حقل الهويات، وهنا لست أن من ينكر أو يكابر أو ينفي مساهمة النظام الذي كنت منه وعملت في صفوفه خلال عقود طويلة في تعميق هذا الالتباس حين خلط بين الولاء السياسي والولاء الشخصي، وبين مؤسسات الدولة وشبكات النفوذ، وحين سمح بترسيخ انطباع واسع بأن توازنات السلطة مرتبطة بانتماءات أهلية محددة...
لكن خصوم النظام وقعوا بدورهم أحياناً في الخطأ ذاته عندما حوّلوا الصراع مع السلطة إلى صراع مع جماعات اجتماعية كاملة، فاستبدلوا نقد الاستبداد بتعميم الاتهام...
وهكذا جرى إنتاج الطائفية من الطرفين بطرق مختلفة، وإن بدرجات ومسؤوليات غير متساوية...
لهذا فإن اختزال تاريخ سورية الحديث في معادلة "طائفة حاكمة مقابل طائفة محكومة" لا يفسر الواقع بقدر ما يبسطه بصورة مضللة...
فالاستبداد السوري لم يكن نتاج عقيدة دينية معينة، كما أن المعارضة لم تكن حكراً على جماعة بعينها...
وداخل كل الطوائف وُجد مستفيدون ومتضررون، موالون ومعارضون، ضحايا وجلادون...
أما تحويل الانتماء الطائفي إلى مفتاح وحيد لفهم التاريخ فهو يؤدي في النهاية إلى تبرئة البنى السياسية الحقيقية التي صنعت المأساة...
- فالطاغية لا يصبح طاغية بسبب مذهبه...
- والثائر لا يصبح ثائراً بسبب مذهبه...
- والدولة لا تنهار لأن مجتمعها متعدد الطوائف، بل لأنها تعجز عن تحويل هذا التنوع إلى مواطنة متساوية وقانون مشترك...
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
- ماذا لو كان حافظ الأسد سنياً؟..
- وماذا لو كان أحمد الشرع علوياً؟..
بل:
+ هل كنا سنحاكم الرجلين بالمعايير نفسها لو تبادلت الهويات مواقعها؟..
إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تكشف الكثير مما جرى في سورية، وربما تكشف أيضاً الكثير مما لا يزال يجري حتى اليوم...
- فالعدالة لا تسأل أولاً عن الطائفة التي ينتمي إليها الحاكم، بل عن أثر أفعاله على الناس...
- والحرية لا تُقاس بالمذهب...
- والاستبداد ليس عقيدة دينية، بل ممارسة سياسية...
وحين يصبح الانتماء أهم من السلوك، والهوية أهم من القانون، والطائفة أهم من المواطنة، تتحول المجتمعات من محاسبة الحكام إلى محاكمة الجماعات، وتصبح الأحقاد بديلاً عن السياسة.
عندئذ لا يعود السؤال:
- من حكم سورية؟..
بل:
- لماذا عجز السوريون طويلاً عن الاتفاق على معيار واحد للحكم على من حكمها؟.