--:--
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعلن موعد توقيع الاتفاق مع إيران، ويكشف ترتيبات فتح مضيق هرمز ومستقبل الملف النووي الإيراني فوكس نيوز : سيتم رفع الحصار البحري عن ايران بالتوازي مع فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية الرئيس أحمد الشرع: تكاتف السوريين أساس بناء الدولة ونفي قاطع للشائعات حول لبنان تراجع مشروع استثماري في دمشق يسلط الضوء على مخاوف من ابتزاز ووسطاء غير رسميين، ما يثير تساؤلات حول بيئة الاستثمار وغياب الشفافية وتأثير ذلك على ثقة رؤوس الأموال وإعادة الإعمار.

من الجغرافيا إلى القواعد: الشرق الأوسط بين الحرب وإعادة تشكيل النفوذ

Salah Kirata • ١٤‏/٦‏/٢٠٢٦

45475.jpg

من الجغرافيا إلى القواعد: الشرق الأوسط بين الحرب وإعادة تشكيل النفوذ

تبدو التحولات الجارية في الشرق الأوسط اليوم أكبر من كونها مجرد تداعيات مباشرة لحرب أو جولة تصعيد عسكري. فالمشهد الإقليمي يتجه، على نحو متزايد، نحو مرحلة يُعاد فيها تعريف قواعد اللعبة نفسها، لا فقط إعادة توزيع النفوذ بين القوى الفاعلة. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم الحوارات بين واشنطن وطهران باعتبارها ملفاً نووياً محدوداً، بل كجزء من مسار أوسع يعيد صياغة بنية النظام الإقليمي بعد سنوات من التوترات والصراعات.

المفاوضات المطروحة لا تدور فقط حول تفاصيل تقنية مثل مستويات التخصيب أو آليات تخفيف العقوبات، بل تعكس محاولة كل طرف لتثبيت موقعه في التوازنات المقبلة. فإيران تسعى إلى تحويل ما راكمته خلال سنوات المواجهة إلى اعتراف بدورها ومجال نفوذها، بينما تتحرك الولايات المتحدة في اتجاه ضبط الإقليم ضمن صيغة تمنع الانفجار المستمر وتحد من كلفة الاضطراب على مصالحها العالمية.

ومن بين الملفات الأكثر حساسية في هذا السياق، يبرز البعد الجيوسياسي المتصل بالممرات الحيوية للطاقة، وعلى رأسها المنطقة المرتبطة بالخليج، حيث تتحول السيطرة على خطوط الإمداد والتدفقات الاقتصادية إلى عنصر مركزي في تعريف القوة، بدل المقاييس التقليدية المرتبطة بالجيوش أو حدود السيطرة المباشرة. هذا التحول يعكس انتقالاً أوسع في طبيعة الصراع الدولي نحو التحكم بالاقتصاد العالمي غير المباشر أكثر من السيطرة الإقليمية الصلبة.

في المقابل، لم يعد لبنان مجرد ساحة تتلقى انعكاسات الصراعات الإقليمية، بل أصبح جزءاً من حسابات التفاوض الكبرى. إدراجه في أي تسوية محتملة يعكس تغيراً في طريقة النظر إليه، من ساحة مفتوحة للتجاذب إلى عنصر ضمن منظومة أوسع لإعادة ترتيب الاستقرار الإقليمي. وهذا التحول لا يعني انتهاء الصراع، لكنه يشير إلى تغير في شكله وأدواته.

على مستوى أوسع، تبدو دول المنطقة نفسها في حالة إعادة تموضع. فبعض القوى الإقليمية باتت أكثر ميلاً إلى ربط استقرار المنطقة بمشاريعها الاقتصادية والتنموية، بينما تسعى أطراف أخرى إلى لعب أدوار الوسيط أو الحفاظ على التوازن بين القوى المتنافسة. هذا يعكس إدراكاً متزايداً بأن كلفة المواجهة المفتوحة باتت أعلى من قدرة الجميع على تحمّلها.

أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع المشهد من زاوية أوسع من الملف الإيراني وحده، إذ تسعى إلى تقليص مصادر التوتر التي تستنزف مواردها وتربك أولوياتها الدولية. لذلك يبدو الهدف أقرب إلى ضبط الإيقاع العام للمنطقة بدلاً من إنهاء الخلافات جذرياً.

في المحصلة، يمكن القول إن المنطقة تتحرك من مرحلة كانت فيها الصراعات تُدار عبر القوة المباشرة إلى مرحلة يجري فيها التفاوض على شكل النفوذ نفسه، وعلى القواعد التي ستنظم هذا النفوذ في المستقبل. وهذا التحول، إن اكتمل، يعني أن الحروب لم تعد غاية بحد ذاتها، بل أصبحت نقطة عبور نحو ترتيبات جديدة أكثر تعقيداً.

باختصار:
ما يطرحه هذا النوع من التحليل يعكس قراءة واقعية لمسار التحولات الإقليمية، لكنه يظل مرتبطاً بفرضية أن جميع الأطراف تتجه فعلاً نحو تثبيت قواعد مستقرة للنظام الإقليمي. غير أن تاريخ المنطقة يُظهر أن مثل هذه التحولات غالباً ما تكون غير خطية، وقد تتداخل فيها مسارات التهدئة مع موجات مفاجئة من التصعيد. لذلك، يمكن النظر إلى فكرة “إعادة الهندسة” بوصفها اتجاهاً محتملاً، لكنه ليس مساراً مضموناً أو نهائياً، بل عملية مفتوحة على احتمالات متعددة تتغير وفق توازنات القوة والظروف الدولية.