سورية... هل انتهت الثورة عندما بدأت الحرب؟ أم أن الحرب كانت هي الخطة منذ البداية؟

Salah Kirata • ٣٠‏/٧‏/٢٠٢٦

63175.png

سورية... 
هل انتهت الثورة عندما بدأت الحرب؟ أم أن الحرب كانت هي الخطة منذ البداية؟
بقلم: 
د. صلاح قيراطة، استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية 

ليس من الإنصاف أن نسأل اليوم: 
- من انتصر في سورية؟..
 فالإجابة الأكثر صدقاً هي أن سورية نفسها كانت الخاسر الأكبر...

بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الدم والدموع والدمار، لم يعد السؤال:
-  هل كانت هناك احتجاجات شعبية؟.. فهذا أمر تثبته الوقائع في بدايات عام 2011، وإنما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: 

- ماذا جرى لذلك الحراك؟..
-  ومن الذي غيّر مساره؟..
- ومن الذي حصد ثماره؟..

إن أخطر خطأ ارتكبه كثيرون هو الإصرار على تفسير الأزمة السورية برواية واحدة، فمن قال إنها كانت ثورة شعبية خالصة تجاهل حجم التدخلات الخارجية التي سرعان ما أعادت تشكيل المشهد، ومن قال إنها كانت مؤامرة خارجية منذ لحظتها الأولى تجاهل وجود مطالب سياسية واجتماعية حقيقية عبّر عنها جزء من السوريين. والقراءة الأقرب إلى الواقع هي أن المسارين تداخلا، ثم غلبت التدخلات الخارجية على ديناميات الصراع مع مرور الوقت...

ومن هنا يبرز سؤال مشروع:
-  هل كانت سورية إحدى ساحات إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟..

كونه ومنذ أن تحدثت كوندوليزا رايس عام 2006 عن "الشرق الأوسط الجديد"، عاد هذا المفهوم بقوة إلى النقاش كلما انهارت دولة أو تبدلت خرائط النفوذ في المنطقة، غير أن تحويل هذا الخطاب إلى دليل قاطع على وجود خطة واحدة متماسكة لكل ما جرى في سورية يتجاوز ما تثبته الأدلة المتاحة، لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن قوى دولية وإقليمية استثمرت الصراع السوري إلى أقصى حد، وأن البلاد تحولت إلى ساحة تنافس على النفوذ، بما يخدم مصالح تلك القوى أكثر مما يخدم السوريين.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو السرعة التي انتقل بها المشهد من احتجاجات إلى نزاع مسلح، ثم إلى حرب مفتوحة شاركت فيها فصائل متعددة الولاءات، ودول إقليمية، وقوى كبرى. ومع هذا التحول تراجع الخطاب المدني، وبرزت التنظيمات الإسلامية المسلحة، بما فيها جماعات صنفتها جهات دولية تنظيمات إرهابية، هذا التحول غيّر صورة الصراع داخلياً وخارجياً، وأعاد رسم أولويات الفاعلين الدوليين...
ولا يمكن أيضاً تجاهل البعد الطائفي الذي ازداد حضوراً خلال سنوات النزاع، فالخطاب الطائفي لم يكن سبباً وحيداً للصراع، لكنه أصبح أحد أهم أدوات التعبئة والاستقطاب، وأسهم في تعميق الانقسام المجتمعي، الأمر الذي جعل المصالحة أكثر تعقيداً...

أما ما حدث في أواخر عام 2024، فقد فتح باباً واسعاً للتساؤلات، فسرعة انهيار السلطة، وطبيعة انتقال السيطرة في مناطق واسعة، دفعت بعض المحللين إلى الحديث عن تفاهمات أو ترتيبات إقليمية ودولية، بينما رأى آخرون أن ما جرى كان نتيجة تراكم الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي...

وحتى الآن، لا توجد معطيات علنية كافية تسمح بحسم أي من هذين التفسيرين، فإذا نحن أردنا توصيف ما جرى بأكبر قدر من الدقة، فإن السنوات الأولى حملت سمات احتجاج سياسي، لكن الصراع تطور لاحقاً إلى حرب داخلية مع تدخلات خارجية واسعة، ثم أصبح ساحة صراع إقليمي ودولي، وفي هذه المرحلة لم يعد ممكناً اختزال المشهد في وصف واحد...
لذا:
فإن أخطر ما حدث لم يكن سقوط نظام أو صعود سلطة جديدة، بل انهيار فكرة الدولة نفسها، فعندما تصبح المؤسسات ضعيفة، ويُختزل الولاء في الانتماءات الضيقة، وتتنازع القوى الخارجية على الأرض، تتحول الدولة إلى ميدان نفوذ لا إلى كيان قادر على حماية مواطنيه...
ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس:

- من كان على حق في الأمس؟..
بل: 
- كيف يمكن منع تكرار المأساة؟..

 فالدول لا تُبنى بالثأر، ولا تُدار بالاستقطاب، ولا تستقر إذا بقيت رهينة صراعات الآخرين...
ويبقى الحكم التاريخي النهائي على ما جرى في سورية مؤجلاً إلى حين انكشاف مزيد من الوثائق والشهادات. أما في الوقت الراهن، فإن أكثر ما يمكن قوله بثقة هو أن الأزمة بدأت في سياق داخلي، ثم تحولت إلى حرب معقدة تشابكت فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية، وأن أي قراءة تتجاهل أحد هذه الأبعاد ستكون قراءة ناقصة.