
سورية وحدود الدور الإقليمي: بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج
تعود سوريا مجدداً إلى واجهة النقاش الإقليمي باعتبارها دولة يُعاد من خلالها اختبار حدود الدور الإقليمي، لا بوصفها فاعلاً مستقراً يمتلك توازناً راسخاً في محيطه. وفي سياق إقليمي شديد السيولة، تتكاثر التصورات التي تتحدث عن إمكانية دفع دمشق نحو أدوار تتجاوز حدودها الجغرافية، ولا سيما في الساحة اللبنانية، ضمن تفاعلات مرتبطة بصراعات النفوذ وموازين القوى، وفي مقدمتها ملف حزب الله.
غير أن هذه الطروحات، مهما بدت منسجمة مع بعض الحسابات السياسية، تصطدم بواقع سوري مختلف جذرياً. فالدولة السورية ما تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية والإدارية بعد سنوات طويلة من الحرب، الأمر الذي يجعل أولوياتها متركزة على تثبيت الاستقرار الداخلي وترميم البنية الوطنية، أكثر من الانخراط في أدوار خارج الحدود.
في هذا الإطار، تكتسب الحدود مع لبنان والعراق حساسية خاصة، إذ لا تُعد مجرد خطوط جغرافية فاصلة، بل فضاءات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا يجعلها أقل قابلية للتحول إلى منصات لتصدير القوة أو الانخراط في مواجهات إقليمية مفتوحة.
وتعكس السلوكيات السياسية والأمنية السورية خلال المرحلة الأخيرة توجهاً واضحاً نحو ضبط التوترات وتفادي الانزلاق إلى ساحات صراع جديدة. فدمشق تتحرك ضمن هامش دبلوماسي محسوب، يهدف إلى إعادة تموضعها الإقليمي بشكل تدريجي، عبر الانفتاح المتوازن، دون الدخول في محاور صدامية مباشرة أو تبني سياسات تصعيدية خارجية.
في المقابل، لا يغيب عن المشهد استمرار محاولات إقليمية ودولية لاختبار هذا التوازن الهش، سواء عبر طرح سيناريوهات تتعلق بأدوار أمنية خارج الحدود، أو عبر إعادة صياغة موقع سوريا داخل معادلات الصراع الإقليمي. غير أن هذه المقاربات كثيراً ما تتجاهل أن الدولة السورية ما تزال في طور إعادة التشكل، وأن قدراتها السياسية والعسكرية لم تعد مهيأة لتحمل التزامات تتجاوز حدودها الداخلية.
وتكمن الإشكالية في أن تحميل دولة خارجة من حرب طويلة أدواراً خارجية يفترض امتلاكها قدرة مستقرة على الفعل الإقليمي، بينما الواقع يشير إلى أن الأولوية ما تزال داخلية بامتياز. فإقحام سوريا في ساحات إضافية قد لا يؤدي فقط إلى إنهاك بنيتها الناشئة، بل قد يفتح أيضاً الباب أمام تصعيد إقليمي واسع يصعب التحكم بمساراته.
من هنا، تبدو المقاربة السورية أقرب إلى منطق الحذر وإدارة الممكن، حيث يجري التركيز على تثبيت الحدود ومنع انتقال الفوضى إلى الداخل، بالتوازي مع إعادة بناء العلاقات الخارجية بشكل تدريجي ومتوازن. وهو خيار، رغم طابعه الدفاعي، يعكس إدراكاً لطبيعة المرحلة وحدود القدرة الفعلية للدولة.
إن مستقبل الدور السوري في الإقليم لن يتحدد عبر المغامرات الخارجية أو التوسع في ساحات الصراع، بل عبر قدرة الدولة على ترسيخ الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسساتها على أسس صلبة. فالدول الخارجة من نزاعات طويلة لا تعود إلى محيطها عبر القوة، بل عبر التعافي التدريجي وإعادة إنتاج توازناتها الداخلية أولاً.
وبهذا المعنى، فإن أي طرح يدفع باتجاه أدوار عسكرية خارجية لسوريا يبدو أقرب إلى تصورات غير واقعية منه إلى حسابات سياسية قابلة للتطبيق، في حين أن المسار الأكثر اتساقاً مع الواقع يظل مرتبطاً بتثبيت الداخل وتحصينه قبل التفكير في أي امتداد خارجي.