
بين الحقيقة والطائفية... لماذا اخترت الحذف؟
قبل أيام حذفت عدداً من المقالات التي استغرقت مني وقتاً وجهداً كبيرين في البحث والتدقيق. لم تكن مقالات انفعالية أو سجالات عابرة، بل نصوصاً استندت إلى وثائق وشهادات وأحداث ما زالت تفاصيلها حاضرة في الذاكرة الجمعية للسوريين، بل وفي ذاكرة كثير من العرب. ومع ذلك اخترت حذفها...
لم يكن السبب تراجعاً عن مضمونها، ولا شكاً في الوقائع التي تناولتها، بل لأنني وجدت نفسي أمام مناخ من النقاش لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى إعادة إنتاج الانقسام الذي أوصل سورية إلى ما هي عليه...
أؤمن أن الكلمة أمانة، وأن من يكتب في التاريخ لا يملك ترف المجاملة ولا حق التزوير. لذلك كنت وما زلت أتحرى الدقة قدر استطاعتي، وأتعامل مع الوقائع بوصفها حقائق يجب فهمها لا شعارات يجب ترديدها. لكنني في الوقت نفسه أرفض أن تتحول القراءة التاريخية إلى وقود لصراع طائفي جديد...
ما دفعني إلى اتخاذ قرار الحذف هو أنني بدأت أقرأ ما هو أخطر من مجرد اختلاف في الرأي، قرأت من يبرر ضياع الجولان وصدور البلاغ رقم 66 باعتباره قراراً استراتيجياً ذكياً اتخذه حافظ الأسد حتى لا يتعرض الجيش للتطويق، وقرأت من يحاول تفسير الهزيمة النكراء عام 1967 بأنها نتيجة طبيعية لاختلال موازين القوى، مستشهداً بضياع سيناء والضفة الغربية، وكأن ذلك يكفي لإعفاء المسؤولين من المساءلة التاريخية.
وقرأت أيضاً من يدفع النقاش نحو مقارنات عائلية وطائفية بين ( آل الاسد ) و ( آل الشرع ) وبذا كان اتهام مباشر بأني أقف خلف ال الشرع وهذا غير صحيح، وكأن مصير الأوطان يختزل في أسماء العائلات والانتماءات، لا في السياسات والقرارات والنتائج، والأخطر من ذلك أنني رأيت لدى بعض المعلقين نزعة لتقديس الأشخاص، حتى بدا حافظ الأسد وبشار الأسد في نظرهم أقرب إلى شخصيات معصومة من الخطأ، كما لو أنهم من الأنبياء والقديسين، لا حكاماً يجب أن يخضعوا، مثل غيرهم، للنقد والمحاسبة والتقييم...
عند هذه النقطة أدركت أن الاستمرار في السجال لن يخدم الحقيقة التي أسعى إليها، بل قد يمنح مساحة أوسع لخطاب أعمل منذ سنوات على دحضه ومقاومته، وهو الخطاب الطائفي...
إن نقد تجربة سياسية لا يعني استهداف طائفة، كما أن الدفاع عن شخصية سياسية لا يبرر تحويلها إلى رمز فوق التاريخ وفوق النقد. والمشكلة تبدأ عندما تتحول الوقائع إلى هويات، وعندما يصبح النقاش في الأحداث نقاشاً في الطوائف، وعندما يستبدل الناس الوثيقة بالعصبية، والحقيقة بالانحياز...
لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً بسبب هذا المنطق. وما تحتاجه اليوم ليس المزيد من الخنادق النفسية والاجتماعية، بل استعادة فكرة الدولة الجامعة التي يتساوى فيها المواطنون، ويختلفون في السياسة دون أن يتقاتلوا على الهوية...
لهذا اخترت الحذف، ليس خوفاً من النقاش، ولا هروباً من مواجهة الروايات الزائفة، وإنما رفضاً للمشاركة في جدل يتحول تدريجياً من بحث في التاريخ إلى استنفار للغرائز والانتماءات الضيقة...
وأجد من واجبي أن أوضح أن موقفي لم ولن يتغير:
الحقيقة التاريخية يجب أن تُقال مهما كانت مؤلمة، لكن دون أن تتحول إلى منصة للكراهية. ونقد الأشخاص والتجارب السياسية حق مشروع، بل واجب أحياناً، لكنه لا يجوز أن ينزلق إلى تحميل جماعات بأكملها مسؤولية أخطاء أفراد أو أنظمة.
ستبقى سورية، في نظري، أكبر من جميع الحكام وأكبر من جميع العائلات وأكبر من جميع الطوائف. وستبقى دعوتي كما كانت دائماً: سورية واحدة، أرضاً وشعباً، لا تُبنى على التقديس ولا على الثأر، بل على الحقيقة والعدالة والمواطنة.