من لغة المواجهة إلى منطق التفاهم: ماذا يكشف التحول الأمريكي تجاه إيران؟

Salah Kirata • ١٢‏/٦‏/٢٠٢٦

45925.jpg

من لغة المواجهة إلى منطق التفاهم: ماذا يكشف التحول الأمريكي تجاه إيران؟

لم يكن الانتقال المفاجئ في الخطاب الأمريكي من التهديد والتصعيد إلى الحديث عن إمكان التوصل إلى اتفاق مع إيران حدثاً عابراً أو مجرد تبدل في النبرة السياسية. فالتحولات الكبرى في العلاقات الدولية لا تنشأ من فراغ، بل تكون في الغالب انعكاساً لموازين قوى جديدة ووقائع فرضت نفسها على الأرض، وأجبرت الأطراف المختلفة على إعادة حساباتها.

خلال الفترة الماضية، بدا أن مسار التفاوض بين واشنطن وطهران وصل إلى نقاط تفاهم أولية يمكن البناء عليها. غير أن تلك التفاهمات لم توفر للإدارة الأمريكية الصورة السياسية التي كانت تبحث عنها، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تقديم أي اتفاق للرأي العام باعتباره إنجازاً واضحاً وليس مجرد تسوية متبادلة. لذلك ظهرت محاولات لإعادة فتح بعض الملفات وإدخال تعديلات جديدة على ما تم التوصل إليه سابقاً، عبر قنوات الوساطة المختلفة.

لكن الرد الإيراني لم يأتِ بالشكل الذي كانت تتوقعه واشنطن. فبدلاً من الانخراط السريع في نقاش التعديلات المطروحة، اختارت طهران سياسة الانتظار وعدم الاستعجال، مع الحرص في الوقت نفسه على إرسال رسائل ميدانية وسياسية تؤكد أنها لا تتعامل من موقع الضغوط أو الحاجة الملحّة إلى الاتفاق. وقد سعت من خلال ذلك إلى الإيحاء بأن ميزان القوة لم يعد يسمح بفرض شروط جديدة خارج إطار ما جرى التفاهم عليه سابقاً.

ومع تصاعد التوتر، اتجهت الولايات المتحدة إلى استخدام أدوات الضغط التقليدية، أملاً في دفع إيران إلى مراجعة موقفها. إلا أن المشهد الميداني أظهر أن طهران كانت مستعدة للرد بطريقة تجعل كلفة التصعيد مرتفعة على جميع الأطراف. فكل خطوة ضاغطة قوبلت بإجراءات مضادة هدفت إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي محاولة لتغيير شروط التفاوض بالقوة لن تحقق النتائج المرجوة.

من هنا يمكن فهم التحول التدريجي في الخطاب الأمريكي خلال الأيام الأخيرة. فحين تتراجع فرص انتزاع تنازلات إضافية عبر الضغط، يصبح الخيار الأكثر واقعية هو العودة إلى أرضية التفاهمات السابقة والبحث عن مخرج سياسي يحفظ الحد الأدنى من مصالح الجميع. وفي هذا السياق، فإن أي إعلان محتمل عن اتفاق لا يمكن قراءته باعتباره مجرد نجاح دبلوماسي، بل يجب النظر إليه أيضاً بوصفه اعترافاً ضمنياً بحدود القدرة على فرض الإرادات عبر الوسائل العسكرية أو الضغوط القصوى.

وإذا ما تم التوصل بالفعل إلى اتفاق إطاري يفتح الباب أمام تسويات أوسع، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة مختلفة تماماً عن السنوات الماضية. فمثل هذا التحول لن يقتصر تأثيره على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل سيمتد إلى شبكة واسعة من التوازنات والتحالفات الإقليمية التي تشكلت على أساس الصراع والتوتر المستمر.

لهذا السبب تتباين ردود الفعل تجاه أي تقارب محتمل بين الطرفين. فهناك من يرى فيه فرصة لإعادة الاستقرار وفتح أبواب جديدة للتفاهمات الإقليمية، بينما ينظر إليه آخرون باعتباره تحولاً قد يغير موازين النفوذ ويعيد رسم خريطة المصالح في الشرق الأوسط. وبين هذين الموقفين يبقى الثابت أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، ستكشف الأيام المقبلة عن حجم التغييرات التي تحملها، وعن الأطراف التي ستخرج منها أكثر قوة أو أكثر خسارة.