من الذي انتصر في الحرب؟ حين تكشف المفاوضات ما أخفته المدافع

Salah Kirata • ١٢‏/٦‏/٢٠٢٦

41181.png

من الذي انتصر في الحرب؟ حين تكشف المفاوضات ما أخفته المدافع
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

منذ اليوم الأول للحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي على إيران، بدا المشهد وكأنه مواجهة تهدف إلى إعادة رسم توازنات المنطقة بالقوة. التصريحات السياسية والإعلامية التي سبقت الحرب ورافقتها لم تترك مجالاً واسعاً للتأويل؛ فالأهداف المعلنة كانت كبيرة إلى حد جعلها أقرب إلى مشروع تغيير استراتيجي شامل منها إلى عملية عسكرية محدودة...

قيل يومها إن الهدف هو إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى حافة السقوط. وقيل إن البرنامج النووي الإيراني يجب أن يُدمر بصورة نهائية لا تسمح بإعادة إحيائه. كما طُرح ملف الصواريخ البالستية باعتباره خطراً يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليصل إلى عمق أوروبا، ما استوجب – وفق الخطاب الغربي – تفكيك هذه المنظومة أو تحويلها إلى قدرات دفاعية محدودة. ولم يكن خافياً أيضاً أن أحد أهم أهداف الحرب كان قطع الصلة بين إيران وحلفائها في العراق ولبنان واليمن، وإنهاء شبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال عقود...

بعد ثمانية وثلاثين يوماً من القتال، توقفت المدافع، وعادت الدبلوماسية إلى الواجهة عبر وساطة باكستانية نشطة وانخراط قطري فاعل، لتُفضي الجهود إلى توقيع مذكرة تفاهم تمدد وقف إطلاق النار وتفتح الباب أمام جولة جديدة من المفاوضات...

* هنا تحديداً تبرز المفارقة الكبرى:

فإذا كان معيار النجاح في الحروب هو حجم الأهداف التي تحققت، فإن المسافة بين الأهداف المعلنة للحرب وبين ما ورد في مذكرة التفاهم تبدو شاسعة إلى درجة تدعو للتأمل...

- فأين هو إسقاط النظام الإيراني؟.

- وأين هو تفكيك البرنامج النووي بصورة نهائية؟..

وأين هو القضاء على الترسانة الصاروخية؟..

وأين هو إنهاء نفوذ إيران الإقليمي؟..

الواقع أن البنود التي يجري الحديث عنها بوصفها أرضية للمفاوضات القادمة ترسم صورة مختلفة تماماً، فالمذكرة تتحدث عن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهو أمر كان قائماً أساساً ولم يكن يشكل مكسباً جديداً لأحد بقدر ما يمثل عودة إلى الوضع الطبيعي. كما تتحدث عن رفع الحصار الأمريكي عن السواحل الإيرانية، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى مساهمات ضخمة في إعادة الإعمار تتحملها الولايات المتحدة وحلفاؤها، مقابل تعهدات مرتبطة بالبرنامج النووي سيتم بحث تفاصيلها خلال المفاوضات المقبلة...

إذا صحت هذه المعطيات، فإن السؤال يصبح مشروعاً وهو:

-  من الذي قدم التنازلات فعلياً؟..

لقد بدأت الحرب بخطاب يتحدث عن إخضاع إيران وإعادة تشكيل سلوكها السياسي والعسكري، لكنها انتهت – على الأقل في مرحلتها الحالية – إلى تفاهمات توحي بأن واشنطن انتقلت من منطق الإملاء إلى منطق التفاوض، ومن السعي إلى فرض الشروط إلى البحث عن مخرج يحفظ المصالح ويوقف الاستنزاف...

* وهنا تبرز القراءة الأعمق للمشهد:

فالولايات المتحدة ليست دولة تُهزم بسهولة بالمعنى العسكري التقليدي، لكنها أيضاً ليست بمنأى عن الضغوط السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. فكل يوم إضافي من الحرب كان يرفع كلفتها المالية ويزيد من اضطراب الأسواق العالمية ويهدد سلاسل الطاقة والتجارة الدولية. كما أن أي مواجهة طويلة في الخليج كانت كفيلة بإبقاء الاقتصاد العالمي على حافة القلق الدائم...

يضاف إلى ذلك أن الإدارات الأمريكية تتحرك دائماً تحت ضغط الاستحقاقات الداخلية، فالانتخابات النصفية المقبلة ليست تفصيلاً هامشياً في الحسابات السياسية الأمريكية، بل هي عامل مؤثر في صياغة القرارات الكبرى. والرئيس الأمريكي الذي يخوض حرباً طويلة ومكلفة دون نتائج حاسمة يدرك أن خصومه سيحولون ذلك إلى مادة انتخابية ضده. كما أن اقتراب أحداث دولية كبرى، وفي مقدمتها الأولمبياد وما يرافقها من اعتبارات أمنية واقتصادية وإعلامية، يجعل الاستقرار الدولي هدفاً مطلوباً أكثر من استمرار المواجهة المفتوحة...

- لكن هل يعني ذلك أن واشنطن اقتنعت بالشروط الإيرانية بالكامل؟:

الراجح أن الإجابة هي: 

- لا...

فالتاريخ الأمريكي في إدارة الصراعات يقول إن واشنطن كثيراً ما تلجأ إلى التسويات المرحلية عندما تفرض موازين القوى ذلك، لكنها لا تتخلى بسهولة عن أهدافها البعيدة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم باعتبارها هدنة سياسية أكثر منها تسوية نهائية. إنها شراء للوقت بقدر ما هي وقف للحرب. فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، وإعادة تقييم الأدوات، وربما الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى مسارات أخرى أقل كلفة وأكثر فاعلية...

أما بقاء هامش الحركة الإسرائيلية مفتوحاً، فهو مؤشر على أن الصراع لم يُغلق ملفاته بعد، فحين تُترك بعض الأدوات الاستراتيجية خارج إطار التقييد الكامل، فإن ذلك يعني أن الأطراف لا تزال تحتفظ بأوراق ضغط يمكن استخدامها إذا تعثرت المفاوضات أو انهارت التفاهمات.

لهذا فإن وصف ما جرى بأنه "عقد إذعان" أمريكي قد يكون حكماً متسرعاً، كما أن اعتباره نصراً حاسماً للطرف الآخر قد لا يعكس الصورة الكاملة. فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بما يُدمر في ساحات القتال، بل أيضاً بما يُنتزع على طاولة التفاوض. وما نراه اليوم هو مرحلة انتقالية بين جولة عسكرية انتهت وجولة سياسية لم تبدأ نتائجها الحقيقية بعد...

الخلاصة:

 أن الضغوط الانتخابية الأمريكية، والتداعيات الاقتصادية العالمية، وكلفة الحرب المتصاعدة، كلها عوامل دفعت واشنطن نحو خيار التهدئة والتفاوض. لكن ذلك لا يعني بالضرورة تخليها عن أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى. والأقرب إلى الواقع أن مذكرة التفاهم تمثل هدنة اضطرارية للطرفين أكثر مما تمثل نهاية للصراع...

لقد توقفت الحرب، لكن الأسئلة الكبرى لم تتوقف، ومن المبكر الحديث عن منتصر نهائي أو مهزوم نهائي. فالحكم الحقيقي لن تصدره المدافع التي صمتت، بل المفاوضات التي ستبدأ، وما إذا كانت ستقود إلى تسوية دائمة أم إلى جولة جديدة من الصراع بأدوات مختلفة وعناوين جديدة...

لكن كل ما قدمته اعلاه لا يمنعني أن أقول ماكان عنوانا لمقال نشرته منذ عدة أيام كنت قد عنونته ( بأن امريكا تجيد البدء بالحرب لكنها لاتعرف كيف تنتيها...

وسجل امريكا من ڤيتنام إلى أفغانستان إلى العراق شاهد على ذلك فهل تكون إيران هي الإخفاق الرابع ؟