
حين يصبح الانحدار هويةً...
من يحرر الإنسان من مستنقع الكراهية؟:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات.
أحيانًا لا يكون أخطر ما يصيب الأوطان هو الفقر، ولا الحرب، ولا الخراب العمراني، بل ذلك الانهيار الصامت الذي يصيب الإنسان نفسه؛ حين يفقد قدرته على التفكير النقدي، ويتحول إلى أسير لعصبية عمياء، لا يرى العالم إلا من خلال ثنائية "نحن" و"هم"، عندها يصبح المجتمع كله رهينة ثقافة الثأر، ويغدو الانتماء الطائفي أو الفئوي أقوى من الانتماء إلى الوطن...
إذا كانت سورية، حتى هذه اللحظة، تتذيل كثيرًا من المؤشرات الدولية المتعلقة بالتنمية والحوكمة والتعليم والشفافية وسيادة القانون، فإن الأخطر من ذلك هو أن بعض الجماعات لا تكتفي بالتعايش مع هذا الواقع، بل تسهم في تعميقه عبر إنتاج خطاب يقوم على الكراهية والتخوين وإلغاء الآخر. وهنا لا يعود الانحدار مجرد أزمة سياسية، بل يتحول إلى أزمة حضارية وأخلاقية...
إن أي جماعة تجعل ولاءها للفئة فوق ولائها للوطن، وتبرر الأخطاء لأنها صادرة عن "أبنائها"، وتدينها فقط عندما تصدر عن الآخرين، فإنها تضع نفسها خارج مشروع الدولة الحديثة، فالدولة لا تُبنى بالعصبيات، وإنما بالمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والاعتراف بكرامة الإنسان أيًا كان انتماؤه...
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تغرق في ثقافة الكراهية لا تنتج علمًا، ولا اقتصادًا، ولا استقرارًا، وإنما تنتج دورات متتالية من العنف والانتقام، فحين تتحول الهوية إلى سلاح، يصبح الوطن كله ساحة صراع مفتوح، ويخسر الجميع مهما ظن بعضهم أنه انتصر...
والوجهة الطبيعية لهذا المسار، إن تُرك دون معالجة، هي مزيد من التفكك الاجتماعي، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع، وهجرة العقول والكفاءات، وانكماش فرص الاستثمار، واستمرار الارتهان للخارج، فالأمم لا تنهار فقط بالسلاح، بل تنهار أيضًا عندما تفقد قدرتها على العيش المشترك...
من هنا:
فإن مسؤولية الدولة السورية لا ينبغي أن تقتصر على فرض الأمن، بل يجب أن تمتد إلى بناء مشروع وطني يعالج جذور الأزمة الثقافية والاجتماعية، ويتطلب ذلك إصلاحًا تعليميًا يعيد الاعتبار لقيم المواطنة، وتجريمًا واضحًا لخطابات التحريض والكراهية، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة لا على الانتماء الطائفي أو العرقي أو السياسي...
كما أن الإعلام والثقافة والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة جميعها بالمشاركة في إعادة بناء الوعي العام، لأن مواجهة التطرف لا تكون بخطاب مضاد متطرف، بل بإحياء ثقافة الحوار واحترام الاختلاف والاحتكام إلى القانون...
إن سورية لا تحتاج إلى جماعات تتنافس على تعميق الانقسام، بل إلى مواطنين يتنافسون في خدمة وطنهم، ولا تحتاج إلى استدعاء جراح الماضي لتبرير كراهية الحاضر، بل إلى شجاعة أخلاقية تعترف بالأخطاء، وتؤسس لمستقبل لا يُقاس فيه الإنسان بطائفته أو جماعته، وإنما بما يقدمه لوطنه...
فالطريق إلى النهوض يبدأ عندما يدرك السوريون أن أخطر خصومهم ليس بعضهم بعضًا، بل ثقافة التعصب التي حوّلت الاختلاف إلى عداوة، والسياسة إلى ثأر، والوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات. وعندما ينتصر القانون على العصبية، والمواطنة على الانقسام، يصبح الخروج من القاع ممكنًا، ويستعيد الوطن بوصلته نحو المستقبل.