
لا نجاة لوطن يُحاكم فيه الناس خارج القانون:
لم تعد المسألة في سورية، كما يعبّر عنها الشعار الوارد في الصورة، مجرد حالة غضب اجتماعي أو ردود فعل فردية على مظالم متراكمة، بل تجاوزت ذلك إلى مشهد أكثر خطورة: تفكك واضح في مفهوم الدولة، وانزلاق بعض الأفراد إلى ممارسة “عدالة بديلة” خارج أي إطار قانوني أو قضائي، تحت ذرائع مثل “أولياء الدم” أو الثأر أو القصاص الذاتي...
في جوهره، يبدو هذا الخطاب وكأنه محاولة لتبرير فعلٍ خطير:
أن يتحول الإنسان إلى قاضٍ وجلاد في آنٍ واحد، في الشارع، دون محاكمة، دون دليل، ودون سلطة تُميّز بين الحقيقة والاتهام. الأخطر من ذلك حين يُوثَّق هذا الفعل ويُنشر، لا كاعتراف بجرمٍ يُحاسَب عليه، بل كاستعراض يُراد منه بث الرعب وترسيخ منطق القوة بدل منطق القانون...
إن أي مجتمع، مهما بلغت أزماته، يقف على ركيزتين:
- العدالة...
- والمؤسسات...
وحين تنهار هاتان الركيزتان أو تُعطَّلان لا يولد الفراغ عدالة شعبية، بل يولد فوضى مسلّحة، حيث يختلط الحق بالانتقام، وتُختزل الحقيقة في رواية طرف واحد، وتُختطف حياة الناس بناءً على الشبهة أو الغضب أو التحريض...
الادعاء بأن القتل في الطريق العام أو التصفية خارج القضاء هو " انتقام عادل" ليس سوى سقوط أخلاقي قبل أن يكون قانونياً، فالدولة التي تسمح للأفراد بأن يستبدلوا المحاكم بالسلاح، لا تفقد فقط احتكارها للعنف المشروع، بل تفقد أيضاً معناها كدولة، وعندها لا يعود هناك مواطنون، بل جماعات متناحرة، كل منها تحمل تعريفها الخاص للعدالة، وسلاحها الخاص لتنفيذه...
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الفعل وحده، بل ثقافة التطبيع معه: - حين يصبح تصوير الجريمة ونشرها جزءاً من " الرسالة"...
- وحين يتحول القتل إلى محتوى يُتداول، هنا بالضبط يبدأ الانحدار الحقيقي نحو هاوية لا قاع لها...
فالمجتمع الذي يعتاد مشاهدة الدم بلا صدمة، يفقد تدريجياً حسّه الأخلاقي، ويقترب من حالة التوحش المقنّن.
ولا يمكن لأي مبرر، مهما كان ثقيلاً أو مؤلماً، أن يُنتج عدالة خارج القانون دون أن يدفع المجتمع ثمنًا مضاعفًا من أمنه واستقراره ومستقبله، فالعدالة ليست انتقاماً، بل هي ضبط للانتقام، وليست إشباعاً للغضب، بل تنظيم له ضمن قواعد تحفظ الحياة ولا تهدرها.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات في لحظات الانهيار ليس فقط غياب الدولة، بل قبول الناس باستبدالها بمنطق الغابة، وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال:
- من الظالم ومن المظلوم؟..
بل يصبح السؤال:
- من يملك القوة الآن؟..
وإذا استمر هذا المسار، فإن البلاد لا تخسر فقط نظامها القانوني، بل تخسر إنسانيتها تدريجياً، حتى تجد نفسها في حالة يصعب فيها التمييز بين العدالة والجريمة، بين الحق والانتقام، وبين الدولة واللا دولة...
إن التحذير اليوم ليس من "جرائم فردية"، بل من تحول اجتماعي خطير: من فكرة القانون إلى فكرة السلاح، ومن فكرة القضاء إلى فكرة الشارع، ومن فكرة الدولة إلى فكرة الفوضى.
وعند هذه النقطة، لا يكون الانهيار سياسياً فقط… بل حضارياً وأخلاقياً قبل كل شيء.