--:--
فوكس نيوز : سيتم رفع الحصار البحري عن ايران بالتوازي مع فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية

من انتصر في المواجهة؟.. قراءة في موازين القوة بعد الحرب الإيرانية ـ الأمريكية

Salah Kirata • ١٤‏/٦‏/٢٠٢٦

47055.png

من انتصر في المواجهة؟..
قراءة في موازين القوة بعد الحرب الإيرانية ـ الأمريكية :

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت ولا بحجم الدمار الذي خلّفته المعارك، بل بما تتركه من تحولات في موازين القوة والنفوذ، وعندما تنتهي مواجهة بين دولة عظمى تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في العالم وبين دولة خاضعة لعقوبات وضغوط مستمرة منذ عقود، ثم نجد الطرفين يعودان إلى طاولة التفاوض، يصبح السؤال مشروعاً: 
-من الذي فرض شروط النهاية؟

من وجهة نظري لم تكن النتيجة النهائية مجرد اتفاق سياسي، بل كانت اعترافاً ضمنياً بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لفرض الإرادة الأمريكية كما كان يحدث في عقود سابقة، فواشنطن التي اعتادت إدارة الأزمات من موقع الهيمنة المطلقة وجدت نفسها أمام خصم يمتلك القدرة على الصمود ورفع كلفة المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة...

لقد ساهمت السياسات الأمريكية نفسها، عبر سنوات طويلة من الضغوط والعقوبات والتهديدات، في دفع إيران نحو بناء منظومة قوة إقليمية معقدة ومتعددة الأدوات، ومع مرور الوقت تحولت الجمهورية الإسلامية إلى لاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وأصبح التعامل معها يتم باعتبارها رقماً صعباً لا مجرد دولة يمكن إخضاعها بقرار عسكري...

أما إسرائيل، وعلى الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي الكبير، فإن قوتها الاستراتيجية تبقى مرتبطة إلى حد بعيد بالدعم الأمريكي السياسي والعسكري والاقتصادي، وهذه حقيقة لا ينتقص الاعتراف بها من قدرات إسرائيل الذاتية، لكنها تؤكد أن استمرار التفوق الإسرائيلي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب يحتاج دائماً إلى المظلة الأمريكية...

في المقابل، كشفت الأزمة الأخيرة عن عالم يتغير بسرعة، فالقوى الغربية التقليدية لم تعد تتحرك بالثقة نفسها التي كانت تمتلكها في العقود الماضية، بينما تواصل قوى دولية صاعدة، وعلى رأسها الصين وروسيا، تعزيز حضورها وتأثيرها في الملفات الكبرى، ولم يعد من السهل فرض العزلة الكاملة على أي دولة تمتلك موارد استراتيجية وموقعاً جيوسياسياً مهماً وشبكة علاقات دولية واسعة...

ومن أبرز الدروس التي أفرزتها المواجهة أن الخيار العسكري ضد إيران أصبح أكثر تعقيداً وكلفة مما كان عليه في السابق، فإلى جانب القدرات العسكرية التقليدية، تمتلك طهران أوراق ضغط اقتصادية وجغرافية تجعل أي صراع واسع النطاق تهديداً مباشراً للتجارة العالمية وأسواق الطاقة، وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث يمكن لأي اضطراب فيه أن ينعكس فوراً على الاقتصاد الدولي بأكمله...

لذا فإن نجاح مشروع إضعاف إيران أو إخضاعها كان سيؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة بصورة تمنح إسرائيل هامشاً أكبر من النفوذ والحركة، لكن فشل هذا المسار أبقى التوازنات الإقليمية قائمة ومنع ظهور قوة منفردة قادرة على فرض إرادتها على الجميع...

ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية إسرائيل أو انهيارها الوشيك يبقى أقرب إلى التوقعات السياسية منه إلى الحقائق الاستراتيجية، فالدول لا تسقط بسبب معركة واحدة، كما أنها لا تنتصر نهائياً في مواجهة واحدة، فالتاريخ اعلمنا أن الصراعات الطويلة تُحسم بتراكم التحولات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية والعسكرية، لا بالانفعالات الآنية التي ترافق الأحداث الكبرى...

ويبقى السؤال الأهم:
 -هل كان الاتفاق محطة نهائية أم مجرد هدنة مؤقتة؟
هناك من يعتقد أن واشنطن قد تكون اختارت التهدئة لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية، وأن الصراع يمكن أن يعود في ظروف مختلفة مستقبلاً... وهناك من يرى أن الولايات المتحدة باتت أكثر إدراكاً لكلفة الانخراط المباشر في حروب الشرق الأوسط، وأنها ستفضّل إدارة التوازنات الإقليمية بدلاً من خوض مواجهات مفتوحة جديدة...

في كل الأحوال، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها تراجع القدرة على فرض الحلول بالقوة العسكرية وحدها، وصعود منطق التوازنات المعقدة وتشابك المصالح الاقتصادية. لقد أثبتت هذه المواجهة أن القوة لم تعد تُقاس بحجم الجيوش فقط، بل بالقدرة على الصمود، ورفع كلفة الصراع على الخصوم، وإدارة الموارد والتحالفات بذكاء...

ومن منظور استراتيجي بحت، فإن الرابح الحقيقي ليس الطرف الذي يعلن النصر أولاً، بل الطرف الذي ينجح في تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية واقتصادية طويلة الأمد...
أما الشرق الأوسط، فلا يبدو أنه يقترب من نهاية صراعاته، بل من مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد اللعبة وتُعاد فيها صياغة موازين القوة على أسس مختلفة عما عرفه العالم خلال العقود الماضية.