
سورية...
حين تنتصر الغريزة ويُهزم الوطن:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
من بين جميع الكائنات التي تعيش على هذه الأرض، تفرّد الإنسان بأنه يحمل في تكوينه عنصرين متلازمين ومتعارضين في آن واحد" العقل والغريزة " بالعقل استطاع أن يبني الحضارات ويؤسس الدول ويضع الشرائع ويصوغ القيم، وبالغريزة ظل يحمل في داخله إرثه الأول، إرث الخوف والرغبة والعدوان والهيمنة. وبين هذين القطبين تتحدد قيمة الإنسان ومكانته. فكلما ارتفع صوت العقل ارتقى الإنسان، وكلما خفت حضوره وانطلقت الغريزة من عقالها انحدر إلى مستويات أدنى من تلك التي بلغتها مخلوقات أخرى تحكمها غرائزها وحدها ولا تدّعي امتلاك العقل...
ومن هذا المدخل أرى أن الشعوب ليست سواءً في مستوياتها الثقافية والمعرفية والأخلاقية، فالناس لا يولدون في بيئات واحدة، ولا ينشؤون على موروث واحد، ولا تحكمهم ظروف متشابهة، هناك شعوب راكمت عبر القرون خبرات وتجارب ومعارف ومؤسسات دفعتها إلى الأمام، وهناك شعوب أخرى ظلت أسيرة أنماط من التفكير والسلوك والموروثات التي أعاقت تقدمها وأبقتها في مراتب أدنى على سلم التطور الحضاري...
ولذلك فإنني لا أرى أن شعوب العالم تقف على الدرجة نفسها من الوعي والمعرفة والأخلاق، ووفق هذه المعايير، فإن شعوب العالم الثالث تأتي في مرتبة أدنى من غيرها، لكن ما أذهب إليه أبعد من ذلك، إذ أرى أن العرب أنفسهم، في المتوسط العام، يقفون في مرتبة أكثر تأخراً من كثير من شعوب العالم الثالث، ليس بسبب نقص في القدرات البشرية، وإنما بسبب منظومات فكرية واجتماعية وسياسية كرست التخلف وأعادت إنتاجه جيلاً بعد جيل...
ومن هنا لا أجد سورية مظلومة حين تتذيل المؤشرات الدولية أو تكاد، فعندما تحتل المراتب الأخيرة أو ما قبل الأخيرة في السياسة والاقتصاد والتنمية والحريات والشفافية والتعليم وسائر المجالات التي تقيسها المؤسسات الدولية المختصة، فإن ذلك لا يأتي من فراغ ولا من مؤامرة كونية مجردة، بل يعكس واقعاً قائماً ومأزوماً ومختلاً في بنية المجتمع والدولة معاً...
لقد كانت السنوات الخمس عشرة الماضية وحتى لحظتنا هذه مختبراً قاسياً كشف ما كان مختبئاً في الأعماق، وأقصد هنا" لحظتنا الراهنة تحديداً"، أي ما بعد ما يسميه البعض انتصاراً، ففي مثل هذه اللحظات كان من المفترض أن تتقدم قيم التسامح على الانتقام، وأن تنتصر الحكمة على الغضب، وأن يحل منطق الدولة محل منطق الثأر. لكن ما حدث ويحدث هو العكس تماماً...
لقد أخرجت أواني السوريين أسوأ ما فيها، فقد خرج الحقد دفعة واحدة إلى السطح، وخرجت الكراهية التي تراكمت سنوات طويلة، وكذا خرجت نزعات الإقصاء والانتقام والاستعلاء، وبدلاً من أن تخمد نار الحرب، راحت تتخذ أشكالاً جديدة أكثر خطورة لأنها باتت تتسلل إلى النفوس والعقول وتعيد تشكيل العلاقات بين أبناء الوطن الواحد...
واليوم لا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليرى مشاهد تدعو إلى الذهول والأسى معاً، مجاميع محسوبة على البشر والإنسانية تخرج لتتوعد أبناء جلدتها، وتهددهم بمغادرة بيوتهم وأرزاقهم، وإلا فإن النار ستكون مصيرهم، أفراد ينصبون أنفسهم أوصياء على المجتمع، يوزعون شهادات الوطنية والخيانة، ويمنحون أنفسهم سلطة الاتهام والتحقيق والإدانة والعقاب في آن واحد...
لقد صار كل منتصر مزعوم رجل أمن وقاضي تحقيق وقاضي إحالة وقاضي حكم وجلاداً في الوقت نفسه، وصارت الانفعالات الشخصية بديلاً عن القانون، وصار المزاج الفردي بديلاً عن مؤسسات الدولة، وكل ذلك يجري في ظل صمت يثير الريبة والقلق من سلطات الأمر الواقع وأجهزة الحكومة الانتقالية، صمت يصعب تفسيره لدى كثيرين إلا بوصفه قبولاً ضمنياً أو موافقة غير معلنة...
غير أن ما يثير خوفي أكثر من كل ذلك هو أن السوريين، خلال هذه المحنة الطويلة، لم يبدوا ميلاً للبحث عما يجمعهم بقدر ما أظهروا شغفاً بالبحث عما يفرقهم، وكأنهم الشعب الوحيد على وجه الأرض الذي يتشبث بأسباب الانقسام ويتجاوز القواسم المشتركة التي يمكن أن تشكل أساساً للنجاة.
لقد تمترس كل فريق خلف انتمائه الضيق، وهذا أمر قد يكون مفهوماً في ظروف الاضطراب والخوف، لكن المأساة الحقيقية لا تكمن هنا، بل في أن كل انتماء ضيق تحول إلى مشروع مواجهة مع الانتماءات الأخرى...
لم يعد الدين مجرد انتماء روحي، ولا الطائفة مجرد إطار اجتماعي، ولا العرق مجرد حقيقة تاريخية، ولا الإثنية مجرد خصوصية ثقافية، لقد تحولت هذه الانتماءات كلها إلى خطوط تماس وصراع وتناقض، وأصبح السوري يعرف نفسه بما يميزه عن الآخر أكثر مما يعرف نفسه بما يجمعه معه...
وهكذا لم يعد كافياً أن ينحاز الإنسان إلى دينه أو طائفته أو قوميته أو منطقته، بل بات يشعر بالحاجة إلى وضع هذه الانتماءات في حالة تضاد مع انتماءات مواطنيه الآخرين، واللافت والخطير ولا أظن أن بلدا في العالم سوانا يوجد له مكان واحد يلتقي فيه السوريون من كل المكونات هو عداؤهم لسورية، فكل الانتماءات الضيقة مقدمة عند غالبية السوريين تلتقي على العداء لفكرة سورية الجامعة...
إن أخطر ما أنتجته السنوات الماضية ليس الخراب المادي، مهما كان هائلاً، بل انهيار الفكرة الوطنية ذاتها، فحين يصبح الوطن تفصيلاً ثانوياً، وتتحول الطائفة أو الجماعة أو العشيرة أو القومية إلى الوطن البديل، فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة شديدة الخطورة، وحين يصبح الثأر بديلاً عن العدالة، والغلبة بديلاً عن الشراكة، والإقصاء بديلاً عن التعايش، فإن الحديث عن بناء دولة مستقرة يصبح أقرب إلى الأمنيات منه إلى الوقائع...
إن الأمم لا تنهار عندما تخسر حرباً، بل عندما تفقد قدرتها على العيش مع نفسها، ولا تتفكك حين تتراجع اقتصاداتها، بل حين تتآكل الروابط التي تجعل أبناءها يشعرون بأنهم ينتمون إلى مصير واحد...
ومع ذلك، فإن الطريق إلى الخروج من هذا الواقع لا يزال قائماً، وإن كان ضيقاً وشاقاً:
وأول شروطه:
إعادة الاعتبار إلى مفهوم المواطنة بوصفه المظلة الوحيدة التي تساوي بين السوريين جميعاً...
وثانيها:
بناء دولة قانون حقيقية لا تسمح للأفراد أو الجماعات بمصادرة حق القضاء أو ممارسة العقاب خارج المؤسسات الشرعية...
وثالثها:
تجريم خطاب التحريض والكراهية والثأر الجماعي أياً كان مصدره وأياً كانت الذريعة التي يتكئ عليها...
ورابعها:
إطلاق مشروع وطني يعيد إنتاج الهوية السورية الجامعة بوصفها إطاراً أعلى من كل الهويات الفرعية، لا خصماً لها ولا بديلاً عنها...
أما إذا استمر هذا النهج على حاله، وإذا بقي الجميع أسرى الغرائز والأحقاد والانتماءات الضيقة، فإن ما ينتظر سورية لن يكون استقراراً ولا سلاماً ولا إعادة بناء، سيكون مزيداً من التشظي ومزيداً من الانهيار ومزيداً من الأحقاد المتوارثة بين الأجيال...
وعندها لن يكون هناك منتصر حقيقي ولا مهزوم حقيقي، سيكون هناك وطن يخسره الجميع، وسوريون يكتشفون متأخرين أن معركتهم الحقيقية لم تكن ضد بعضهم بعضاً، بل ضد ذلك الخراب الكامن في النفوس حين ينتصر الانتماء الضيق ويُهزم الوطن.